قيل : إن هذه الآية نزلت قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء؛ قاله ابن جُريج . وقال ابن جبير ومقاتل : بسبع ليال . وروي بثلاث ليال . وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات ، وأنه عليه السَّلام قال : " اجعلوها بين آية الربا وآية الديْن " وحكى مكّي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية " . قلت : وحكي عن أبي بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل : «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» إلى آخر الآية . والقول الأوّل أعرف وأكثر وأصح وأشهر . ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : آخر ما نزل من القرآن ﴿ واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فقال جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم : «يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة» . ذكره أبو بكر الأنباريّ في «كتاب الردّ» له؛ وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنهاآخر ما نزل ، وأنه عليه السَّلام عاش بعدها أحداً وعشرين يوماً ، على ما يأتي بيانه في آخر سورة ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح ﴾ [ النصر : 1 ] إن شاء الله تعالى . والآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان . و «يَوْماً» منصوب على المفعول لا على الظرف . «تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ» من نعته . وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم؛ مثل ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ﴾ [ الغاشية : 26 ] واعتباراً بقراءة أبيّ «يوماً تصِيرون فيه إلى الله» . والباقون بضم التاء وفتح الجيم؛ مثل ﴿ ثُمَّ ردوا إلى الله ﴾ [ الأنعام : 28 ] . ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي ﴾ [ الكهف : 36 ] واعتباراً بقراءة عبد الله «يوماً تردون فِيهِ إلى اللَّهِ» وقرأ الحسن «يرجعون» بالياء ، على معنى يرجع جميع الناس . قال ابن جِني : كأنّ الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة ، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم : «وَاتَّقُوا يَوْماً» ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رِفْقاً بهم . وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذّر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية . وقال قوم : هو يوم الموت . قال ابن عطية : والأوّل أصح بحكم الألفاظ في الآية . وفي قوله «إلَى اللَّهِ» مضاف محذوف ، تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه . «وَهُمْ» ردّ على معنى «كُلُّ» لا على اللفظ ، إلاَّ على قراءة الحسن «يرجعون» فقوله «وهم» ردّعلى ضمير الجماعة في «يرجعون» . وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال ، وهو رد على الجَبْرِيَّة ، وقد تقدَّم .
-------------------
وقال الشنقيطي (1):
قوله تعالى : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ الآية .
معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي : ترك المعاملة بالربا . خوفاً من الله تعالى وامتثالاً لأمره ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ [ البقرة : 275 ] أي : ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه ، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر ، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم : ﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ [ المائدة : 93 ] الآية .
وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ النساء : 22 ] أي : لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى : ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ النساء : 23 ] .