تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَوُّلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارٍ لِلْكُفْرِ . فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : لَا تَصِيرُ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ كُفْرٍ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ , وَإِنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ , وَأَجْلَوْا الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا , وَأَظْهَرُوا فِيهَا أَحْكَامَهُمْ . لِخَبَرِ : { الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ * وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ , وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ( أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ ) : تَصِيرُ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ كُفْرٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا تَصِيرُ دَارَ كُفْرِ إلَّا بِثَلَاثِ شَرَائِطَ : 1 - ظُهُورُ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا . 2 - أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْكُفْرِ . 3 - أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ , وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ , وَهُوَ أَمَانُ الْمُسْلِمِينَ . وَوَجْهُ قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَمَنْ مَعَهُمَا أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَارَ الْكُفْرِ : أُضِيفَتَا إلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى الْكُفْرِ لِظُهُورِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفْرِ فِيهِمَا , كَمَا تُسَمَّى الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ , وَالنَّارُ دَارَ الْبَوَارِ , لِوُجُودِ السَّلَامَةِ فِي الْجَنَّةِ , وَالْبَوَارِ فِي النَّارِ , وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ بِظُهُورِ أَحْكَامِهِمَا , فَإِذَا ظَهَرَتْ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِي دَارٍ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ كُفْرٍ , فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ , وَلِهَذَا صَارَتْ الدَّارُ دَارَ إسْلَامٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرِيطَةٍ أُخْرَى , فَكَذَا تَصِيرُ دَارَ كُفْرٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا . وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إضَافَةِ الدَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ لَيْسَ هُوَ عَيْنُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ , وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ : الْأَمْنُ , وَالْخَوْفُ , وَمَعْنَاهُ : أَنَّ الْأَمْنَ إنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدَّارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْخَوْفَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ , وَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ فِيهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْخَوْفُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ , فَالْأَحْكَامُ عِنْدَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَمَانِ وَالْخَوْفِ , لَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ , فَكَانَ اعْتِبَارُ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ أَوْلَى . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي ( دَارُ الْحَرْبِ ) .

دُخُولُ الْحَرْبِيِّ دَارَ الْإِسْلَامِ :

7 - لَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ , فَإِنْ اسْتَأْذَنَ فِي دُخُولِهَا فَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهِ مَصْلَحَةٌ , كَإِبْلَاغِ رِسَالَةٍ , أَوْ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى , أَوْ حَمْلِ مِيرَةٍ أَوْ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ , جَازَ الْإِذْنُ لَهُ بِدُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا الْحَرَمَ , وَلَا يُقِيمُ فِي الْحِجَازِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ , لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ , وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ . وَفِي غَيْرِ الْحِجَازِ يُقِيمُ قَدْرَ الْحَاجَةِ . أَمَّا الْحَرَمُ فَلَا يَجُوزُ دُخُولُ كَافِرٍ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا * . وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ : ( أَرْضُ الْعَرَبِ , حَرَمٌ ) .

مَالُ الْمُسْتَأْمَنِ وَأَهْلُهُ :

8 - إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ مِنْ الْإِمَامِ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ , وَزَوْجَةٍ , وَأَوْلَادٍ صِغَارٍ فِي أَمَانٍ , أَمَّا مَا خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ , إلَّا بِالشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْأَمَانِ . وَإِنْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَقِيَ الْأَمَانُ لِمَا تَرَكَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , وَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِتَحْصِيلِ مَا تَرَكَهُ مِنْ دَيْنٍ الْوَدِيعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَإِنْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَتَرِكَتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِوَرَثَتِهِ . وَإِنْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عُشْرَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ , وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ .

اسْتِيطَانُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ دَارَ الْإِسْلَامِ :

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٦٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٦٣٩