يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الذِينَ يَتَّبِعُونَ المُؤْمِنِينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ إِيمَانٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ ، يَكُونُونَ مَعَ السَّابِقِينَ فِي الآخِرَةِ . وَذَوُو الأَرْحَامِ مِنَ الأَقَارِبِ جَمِيعاً لَهُمْ وَلاَيَةُ القَرَابَةِ ، وَبَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي المَوَدَّةِ وَالمَالِ وَالنُّصْرَةِ كَمَا شَرَعَ اللهُ ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فِي هَذَا الوُجُودِ .
وقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ». . هو بيان لحكم الجماعة الإسلامية فيما بينها ، فهم ـ المهاجرون والأنصار ـ جبهة واحدة ، وكيان واحد ، يجمعهم هذا النسب الكريم الذي انتسبوا له ، وهو الإسلام ، الذي يعلو كل نسب ، ويفضل كل قرابة.
فمن أجل الإسلام هاجر المهاجرون ، ومن أجل الإسلام جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل اللّه. وفى سبيل اللّه آوى الأنصار المهاجرين وشاركوهم أموالهم وديارهم ، وفى سبيل الإسلام انتصروا لهم ونصروهم ..
فهؤلاء جميعا ـ من مهاجرين وأنصار ـ بعضهم أولياء بعض ، ينصر بعضهم بعضا ، ويحامي بعضهم عن بعض ، ولو حملهم ذلك على لقاء آبائهم وأبنائهم وقتالهم وقتلهم فى سبيل اللّه.
وهناك مؤمنون ، ولكنهم لم يهاجروا ، قد حبستهم قريش ، أو منعهم فما حكم هؤلاء المؤمنون ؟ وما وضعهم فى المؤمنين من المهاجرين والأنصار ؟
إنهم لا شكّ أعضاء فى هذا الجسد الإسلامى الجديد ، الذي تبرز سماته فى المهاجرين والأنصار. ولكن كان الإسلام فى دور البناء للمجتمع الإسلامى ، وكان من أجل هذا فى مسيس الحاجة إلى كل يد عاملة لدعم هذا البناء ، ورفع بنيانه ـ الأمر الذي جعل الهجرة إلى المدينة التي آوى إليها الرسول ، واتخذ منها مركزا لدعوته ، أمرا له قدره وأثره فى رفع درجة المؤمن ، وتشريفه بهذا المقام الكريم الذي أفرد اللّه سبحانه وتعالى به المهاجرين ، وجعل لهم وللأنصار ذكرا طيبا ، جاء به القرآن الكريم أكثر من موضع ..
من أجل هذا ، فإن الذين آمنوا ولم يهاجروا ـ لعلّة أو لأكثر ـ لم يكن حسابهم قائما على هذا التقدير الذي يسوّى بينهم وبين المهاجرين ، أو الأنصار ..إذ كان المهاجرون ، مؤمنين ، ومعهم مع إيمانهم هجرة ، وكان الأنصار مؤمنين ، ومعهم مع إيمانهم أنهم آووا ونصروا ..
أما المؤمنون الذي حبستهم أعذارهم عن الهجرة ، فإنهم لم يضيفوا إلى إيمانهم شيئا مما فعله المهاجرون أو الأنصار .. فهم والحال كذلك ليسوا بالّذين يدخلون فى ذمّة المؤمنين فى هذه المرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية ، بحيث يمنعونهم من عدوّهم ، ويدفعون عنهم ما يعرض لهم من ظلم وبغي ، وهم فى ديار