مُشْرِكِي الْعَرَبِ فِي زَمَنِ الْبَعْثَةِ ، فَكَيْفَ وَالْخُرُوجُ إِلَى الْقِتَالِ هُوَ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ فِي الْغَالِبِ ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي لَا تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا يَطْمَعُ غَيْرُهَا فِيهَا ، فَإِذَا هَاجَمَهَا الْأَعْدَاءُ ظَفِرُوا بِهَا وَنَالُوا مَا يُرِيدُونَ مِنْهَا .
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2 : 154] وَأَنَّ الْمُخْتَارَ فِيهَا أَنَّهَا حَيَاةٌ غَيْبِيَّةٌ لَا نَبْحَثُ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَلَا نَزِيدُ فِيهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ خَبَرُ الْوَحْيِ شَيْئًا فَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بَلْ أَحْيَاءٌ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ فِي أَحْيَاءِ
الْآخِرَةِ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مُذْ قُتِلُوا ، وَلَا تَخْصِيصَ فِي قَوْلِهِمْ لِلشُّهَدَاءِ وَلَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا يَأْتِي ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِحُسْنِ الذِّكْرِ وَطَيِّبِ الثَّنَاءِ كَمَا يُقَالُ " مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ مَا مَاتَ " وَقَالَ الشَّاعِرُ :
يَقُولُونَ : إِنَّ الْمَرْءَ يَحْيَا بِنَسْلِهِ ... وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْلُ
فَقُلْتُ لَهُمْ : نَسْلِي بَدَائِعُ حِكْمَتِي ... فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسْلٌ فَإِنَّا بِهَا نَسْلُو
وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِأَجْسَادِهِمْ كَحَيَاتِنَا الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَسَائِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ أَجْسَادَهُمْ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا حَيَاةٌ جَسَدِيَّةٌ مَا نَصُّهُ : " وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ - تَعَالَى - يُصَعِّدُ أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَإِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَيُوَصِّلُ أَنْوَاعَ السَّعَادَةِ وَالْكَرَامَاتِ إِلَيْهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَتْرُكُهَا فِي الْأَرْضِ وَيُحْيِيهَا وَيُوَصِّلُ هَذِهِ السَّعَادَاتِ إِلَيْهَا ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ وَقَالَ : إِنَّا نَرَى أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ قَدْ تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللهَ يُحْيِيهَا حَالَ كَوْنِهَا فِي بُطُونِ هَذِهِ السِّبَاعِ وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا . أَوْ يُقَالَ : إِنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ يُرَكِّبُهَا اللهُ وَيُؤَلِّفُهَا وَيَرُدُّ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ وَلِأَنَّا قَدْ نَرَى الْمَيِّتَ الْمَقْتُولَ بَاقِيًا أَيَّامًا إِلَى أَنْ تَنْفَسِخَ أَعْضَاؤُهُ وَيَنْفَصِلَ مِنْهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ ، فَإِنْ جَوَّزْنَا كَوْنَهَا حَيَّةً مُتَنَعِّمَةً عَاقِلَةً عَارِفَةً لَزِمَ الْقَوْلُ بِالسَّفْسَطَةِ " اهـ . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : وَتَطَرَّفَ جَمَاعَةٌ فَزَعَمُوا أَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ كَحَيَاتِنَا هَذِهِ فِي الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ أَكْلَنَا وَيَشْرَبُونَ شُرْبَنَا وَيَتَمَتَّعُونَ تَمَتُّعَنَا ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ عَنْ عَاقِلٍ ، لِأَنَّ مِنَ الشُّهَدَاءِ مَنْ يُحْرَقُ بِالنَّارِ وَمَنْ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ أَوِ الْأَسْمَاكُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَبْلَى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ ، عَلَى أَنَّ الْجَسَدَ لَا ثَمَرَةَ لَهُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الرُّوحُ .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ مَجَازِيَّةٌ ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ : إِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا دُنْيَوِيَّةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا أُخْرَوِيَّةٌ وَلَكِنْ لَهَا مَيْزَةٌ خَاصَّةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا هُوَ عَدَمُ الْبَحْثِ فِي كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَذَكَرْنَا فِي آيَةِ