اليهود : « وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ () مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » (116 ـ 117 : النحل).
أفمن أحل هذا المتاع القليل الذي نجد فيه من ريح الآية الكريمة أنسا لوحشتنا ، وأملا فى محنتنا .. أفمن أجل هذا ، نرد هذا المورد ، ونجازف تلك المجازفة المهلكة ؟
وكلّا ، فإنا أحرص على أنفسنا من أن تلمّ بما يعرّضها لموقع من مواقع سخط اللّه ، خاصة ونحن نسعى بين يدى كتابه الكريم ، ابتغاء مرضاته ، وطلبا للمزيد من إحسانه وفضله! أفنرجع إذن عن هذا الذي ذهبنا إليه ، فى حمل الآية الكريمة على عمومها ، من أن النصر الذي وعد اللّه به المسلمين على اليهود هو وعد دائم مستمر ، غير موقوت بوقت ، أو موقوف على واقعة بعينها ـ أفنرجع إذن ونعود بالسلامة والعافية .. من قريب ؟
وكلّا .. مرة أخرى .. فإنا مطمئنون إلى فهمنا للآية الكريمة ، واثقون من معطياتها التي لا تتخلف أبدا ..
بل وأكثر من هذا .. إننا ندعو إلى أن يفهمها المسلمون جميعا هذا الفهم الذي فهمناها عليه ، وأن ينتظروا تأويلها فى الأيام المقبلة كما ننتظره .. فإن أخلفهم من الآية هذا الوعد ، وإن وجدوا لهذا الإخلاف غمزة فى دينهم ، أو حرجا منه فى صدورهم ، أو خلخلة له فى قلوبهم ـ فالحكم اللّه بينى وبينهم! ولن يخزينا اللّه أبدا .. ولن يخلفنا وعده الذي وعد! وكيف ؟
واللّه سبحانه وتعالى يقول فى اليهود ، بعد هذه الآية الكريمة ، مؤكدا وعده الذي وعدنا ..
« ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ». فهذا الحكم عام شامل غير محصور بمكان ، أو مقيد بزمان! « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ » والتعبير بضرب الذلة عليهم فيه إحكام لهذا الحكم الواقع بهم ، وأن الذلّة التي رماهم اللّه بها ، ذلة متمكنة ، مختلطة بوجوهم ، كما يختلط لون الجلد بالجلد .. لا يتغير ولا يتبدّل أبدا! وفى قوله تعالى : « أَيْنَما ثُقِفُوا » حكم قاطع بمصاحبة الذلة لهم ، أينما وجدوا ، وأينما كانوا ، فى كل موطن ، وفى كل زمن! هكذا هم فى ذلة وهوان ، أبد الدّهر .. ذلة فى أنفسهم ، وذلة بأيدى من يذلّونهم من عباد اللّه المسلطين عليهم. فإن نجوا من هذه الذلة التي يسوقها الناس إليهم ، لم يخرجوا من تلك الذلة المستولية على طبيعتهم! وقوله تعالى : « إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ». . الحبل العهد والعقد .. والمعنى : ضربت عليهم الذلة أبدا ، إلّا أن يدخلوا مع المسلمين فى عهد اللّه ، وذمة المسلمين ، فيكونوا بذلك من أهل الذمّة ، وتفرض عليهم الجزية ، فيعطونها عن يد وهم صاغرون .. وهنا يرفع عنهم المسلمون الأذى والذلة التي أخذوهم بها. ولكن مع هذا لا يتخلّى عنهم روح الذلة المتسلط عليهم من داخل أنفسهم ، لأن ذلك طبيعة فيهم ، ولعنة من لعنات اللّه صبّها عليهم ..