تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْغَزْوَ فَقُلْتُ : لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ . فَقَالَ : " ائْتِ عَلَى سُورَةِ الْبُحُوثِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا يَعْنِي سُورَةَ التَّوْبَةِ " (1)

وعن حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيِّ ، قَالَ : " نَفَرْنَا مَعَ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ قِبَلَ الْأُفْسُوسِ إِلَى الْجَرَاجِمَةِ ، فَلَقِيتُ شَيْخًا كَبِيرًا هِمًّا ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِيمَنْ أَغَارَ ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : يَا عَمِّ لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، قَالَ : فَرَفَعَ حَاجِبَيْهِ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي اسْتَنْفَرَنَا اللَّهُ خِفَافًا وَثِقَالًا ، مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيُبْقِيهِ ، وَإِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ شَكَرَ وَصَبَرَ وَذَكَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ " (2)

وعن أَبي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ ، قَالَ : وَافَيْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسًا عَلَى تَابُوتٍ مِنْ تَوَابِيتِ الصَّيَارِفَةِ بِحِمْصَ ، قَدْ فَضُلَ عَنْهُ مِنْ عَظْمِهِ ، يُرِيدُ الْغَزْوَ ، فَقُلْتُ لَهُ : لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، فَقَالَ : " أَتَتْ عَلَيْنَا سُورَةُ الْبَحُوثِ : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا " (3)

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْرِ لِجِهَادِ أَعْدَائِهِ فِي سَبِيلِهِ خِفَافًا وَثِقَالًا ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْخِفَافِ كُلُّ مَنْ كَانَ سَهْلًا عَلَيْهِ النَّفْرُ لِقُوَّةِ بَدَنِهِ عَلَى ذَلِكَ وَصِحَّةِ جِسْمِهِ وَشَبَابِهِ ، وَمَنْ كَانَ ذَا تَيَسُّرٍ بِمَالٍ وَفَرَاغٍ مِنَ الِاشْتِغَالِ وَقَادِرًا عَلَى الظَّهْرِ وَالرِّكَابِ . وَيَدْخُلُ فِي الثِّقَالِ كُلُّ مَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ ضَعِيفِ الْجِسْمِ وَعَلِيلِهِ وَسَقِيمِهِ ، وَمِنْ مُعَمَّرٍ مِنَ الْمَالِ وَمُشْتَغِلٍ بِضَيْعَةٍ وَمَعاشٍ ، وَمَنْ كَانَ لَا ظَهْرَ لَهُ وَلَا رِكَابَ ، وَالشَّيْخُ وَذُو السِّنِّ وَالْعِيَالِ . فَإِذْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْخَفَّافِ وَالثِّقَالِ مَنْ وَصَفْنَا مِنْ أَهْلِ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ صِنْفًا دُونَ صِنْفٍ فِي الْكِتَابِ ، وَلَا عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَا نَصَبَ عَلَى خُصُوصِهِ دَلِيلًا ، وَجَبَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ بِالنَّفْرِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ خِفَافًا وَثِقَالًا مَعَ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ " .

وفي تفسير المنار : " وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ أَوَّلَهُ خِطَابُ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا يُسَوِّغُهُ وَمَا يَنْتَهِي بِهِ مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ ، وَيَتْلُوهُ إِنْكَارُهُ عَلَيْهِمُ التَّثَاقُلَ عَنِ النَّفْرِ إِذِ اسْتَنْفَرَهُمُ الرَّسُولُ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ سِيَاقٌ مُسْتَقِلٌّ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ كُلَّهَا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَمَا قِيلَ مِنِ اسْتِثْنَاءِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي آخِرِهَا . فَإِنْ صَحَّ أَنَّ شَيْئًا

(1) - الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَاكِمِ (2504 ) حسن

(2) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (15383 ) حسن

(3) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ ( 15394 ) حسن

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ١١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ١١٦