تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا ينتهي المشهد الثاني من هذه المحنة، فلم ينفع الحجاج هذا الإغراء بالمال والذهب، كما لم تسعفه منحه التي أومأ بها، فليس ابن جبير من عباد المال، ولا من الذين يبيعون دينهم بدنياهم، لذا فقد لقنه درساً لن ينساه، في أن المال، أعظم وسيلة لإصلاح الأعمال، وصلاح الآخرة، إن جمع بطريق الحلال الطيب .. لاتقاء فزع يوم القيامة، "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (1).

ثم يسلك الحجاج سبيلاً آخر.

(ثم دعا الحجاج بالعود والناي، فلما ضرب بالعود ونفخ بالناي، بكى سعيد، فقال: ما يبكيك؟ أهو اللعب؟ قال سعيد: هو الحزن، أما النفخ فذكرني يوماً عظيماً يوم ينفخ في الصور، وأما العود فشجرة قطعت من غير حق، وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة.

فسعيد ليس من هواة الطرب ولا من رواد النادي والعود، وإنما من هواة الحق ورواد الإسلام الذي وهب حياته له، فإعراضه عن ذلك وإظهار حزنه حين تذكر الآخرة وشدة عذابها، فكان درساً آخر لقنه إياه، وإدراك المسلم ذلك دائماً، لما عصى الله، أو خالف أمراً من أوامره، وبعد أن أسقط في يده، وفشلت جميع تلك السبل، هنا اشتدت المحنة قليلاً، فعلا غضب الحجاج، وفقد أعصابه، وكاد ينهي هذه المحنة بمشاهدها، أو يصل إلى نهايتها، ولكن تريث إلى حين، لعله يحظى بشيء من سعيد.

(قال الحجاج ويلك يا سعيد: فقال لا ويل لمن زحزح عن النار وأدخل الجنة. قال الحجاج: اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟ فقال اختر أنت لنفسك، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة؟. فقال: أتريد أن أعفو عنك؟ فقال: إن كان العفو فمن الله وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر) ..

عند ذاك ضاق الحجاج ذرعاً بسعيد، ولم يطق صبراً عليه، وهو يتلقى منه هذه الأجوبة الجريئة والتي كانت سهاماً تصيب قلبه .. فأمر بإنهاء المحنة.

(قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فردوه إليه، وقال: ما أضحكك؟ فقال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط. وقال: اقتلوه، فقال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.

قال الحجاج: وجهوا به لغير القبلة.

قال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله.

قال الحجاج: كبوه على وجهه.

قال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.

قال الحجاج: اذبحوه.

قال سعيد: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة .. اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي).

فذبح من الوريد إلى الوريد. ولسانه رطب بذكر الله .. وبهذا انتهت محنة سعيد بن جبير باستشهاده. وبقيت المحن تصيب أمثاله، من الذين أعرضوا عن الحكام بكليتهم. لإعراض الحكام عن الله وعن دينه وشريعته.

وهكذا شأن الله مع عباده المؤمنين الصابرين. فلم يُضيّع إيمانهم، أو لم ينسهم ذكره في أوقات محنتهم، وهم قادمون إليه، وكيف ينساهم .. أو يضيعهم .. ومحنتهم كانت في سبيله، ومن أجل إعزاز دينه. لذا قيل لهم: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) (2).

قيل للحسن البصري رحمه الله تعالى: إن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير. فقال: "اللهم أنت على فاسق ثقيف. والله لو أن من بين المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله عز وجل في النار".

(1) آية 88 - 89 سورة الشعراء.

(2) آية 24 من سورة الرعد.

الإسلام بين العلماء والحكام · الصفحة ٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام بين العلماء والحكامص ٨٢