فحينما ذكر سباطة قوم إشارة إلى الاعتذار لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، مما يدل على أن الأصل في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ممن يعتد هذا، وأما النهي في هذا فلا يثبت، ويؤكد هذا أيضاً أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى قال: ما بلت قائماً منذ أسلمت، ولو كان في ذلك خبر مرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة النهي لنسبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
دلالة حديث عائشة: (ما رأيت رسول الله يبول قائماً)
فإن قال قائل: ما معنى حديث عائشة: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول قائماً)؟ فنقول: نحن نتكلم عن النهي، وحديث عائشة هو حديث صحيح، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول قائماً)، ولكن هذا الحديث هو إخبار ونحن إنما نتكلم عن النهي، والنهي كما لا يخفى أنه يقتضي تحريماً ويقتضي كراهة على أقل أحواله، وأما النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك صحيح فلا أعلمه يثبت.
معنى قول عائشة: (من حدثك أن رسول الله بال قائماً فقد كذب)
وكذلك معنى قول عائشة: (من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فقد كذب).أولاً: في قولها: (فقد كذب)، لا تريد التشديد في هذا لكن تريد أنه أخطأ، يعني: ما عرف حال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الكذب في كلامهم يريدون بذلك الغلط، فهي ليست عبارة تشديد، و عائشة عليها رضوان الله تعالى ليست ممن يرى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من أصحابه، ومعلوم أن عائشة وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام في بيوتهم وكذلك في خدورهن، والنبي عليه الصلاة والسلام يخرج ويبرز ويراه أصحابه أكثر، وكذلك في أسفاره يشاهدونه، ولهذا من يحكي عنه في ذلك غير، ومن علم حجة على من لم يعلم.