(23) المخطط المُرتقب في صراع الشام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يحتاج الناظر في أحوال الشام إلى كثير ذكاء أو دقة تحليل ليرى ما يحدث على الأرض هناك. هي مؤامرة ولا شك في هذا. وهي مؤامرة ذكرنا أطرافها من قبل، خارجية عربية وغربية، وداخلية عميلة، إعلامية وعسكرية، مغفلة وعامدة. كلها تصب في هدفٍ واحد، هو باختصار وقف امتداد المشروع الإسلاميّ الذي يجمع العراق والشام أولاً، ثم تحويل مسار الجهاد في الشام إلى صراع داخليّ ينتهى بالقضاء عليه، من خلال تبديل أهدافه وغاياته ثانياً.
وفي سياق هذا الهدف الثاني، فقد ظهر أنّ القضاء على فكرة الدولة "المسلمة السنية" في الشام غير متاح في هذا الوقت، إذ هي فكرة تمكنت من عقول وقلوب الكثير من عامة المجاهدين، حتى بعض من ينتمى منهم لقيادات عميلة، قصداً أو تغفيلاً. وهو ما يجعل تكوين دولة علمانية صريحة واضحة أمرا صعب المنال في واقع هذا الصراع، من حيث ستنكشف المؤامرة وقد ينسحب ذلك سلباً على الغاية التي يسعى لها المتآمرون.
الوضع الأمثل في هذه الحالة، هو أن يعمل المتآمرون على استغلال براءة عوام المجاهدين، في أيّ فصيل، وشدة ولائهم لقياداتهم، مهما رأوا من انحرافات، ليسيروا في طريق مرسوم، يخدم الهدف الأول الذي أشرنا اليه آنفاً! ذلك أنّ الالتزام بالبيعة واجبٌ شرعيّ يؤكدون عليه في كلّ حين، وهو كذلك (1). ثم من خلال هذا التعتيم والتضليل، عمداً أو تغفيلاً، يسعى هؤلاء إلى إقامة دولة "إسلامية سنية" على الطراز السلوليّ، تابعة لآل سلول في كلّ امورها، مالياً وشرعياً. ومن ثم، تصبح ولاية أمريكية أخرى، تتبع أختها الكبرى في دولة آل سلول، التي هي مرتكز الصهيوصليبية في شرقنا المسلم.
وهذا المخطط يخدم، في حقيقة الأمر، كافة الأطراف المَعنية. فبالنسبة لأمريكا، يوقف إحتمال قيام دولة إسلامية حقيقية تقيم الدين كله لله، لا بعضه أو بعض مظاهره. ثم هو يقلل من النفوذ المجوسيّ في المنطقة، وإن بدا تقارب وتصالح بينها وبين المجوس، إلا أنّ ذلك لا يعنى أنها تريد سيطرة مجوسية كاملة في المنطقة كذلك. كذلك فأمريكا تأمن لربيبتها وخادمة أغراضها، دولة آل سلول لتكون حاضنة للدولة الناشئة في الشام، تقلّم أظفارها، وتضبط تصرفاتها، وتطلقها تنبح على من تريد، متى تريد.
ثم إن هذه الدولة السلولية الجديدة ستكون خادمة تابعة مطيعة لآل سلول، فلا تتسبب الدولة الوليدة في أن يفكر بعض أبناء دولة آل سلول، ممن يريد أن تقوم في الجزيرة دولة سنية حقة تتخلص من التبعية الغربية، أن ينهج نهجها. وهو الهاجس الأكبر حقيقة لآل سلول. كما أنها تمنع من أن تقوم دولة سنية مجاورة تكشف الوجه القبيح لآل سلول إذا التزمت بالإسلام حقاً وصدقاً، فيسقط الخيال الواهم التي عملت على صناعته عقوداً، لتوهم المسلمين أنها حامية الإسلام، وراعيته وحاضنته، بما تبنى من مساجد، وما تطبع من كتب. دلالاتٌ لا يغترّ بها إلا المغفلون.
ثم إن هذه الدولة السلولية، ستجد في الملتحين ممن شارك في الجهاد، كزهران علوش، الذي ما دخل الجهاد أولاً إلا من هذه الوجهة السلولية، أو ممن تبدلت وجهته، لسبب أو لآخر، فيقوموا بدور القيادة الجديدة، تحت الرعاية الغربية السلولية المشتركة.
(1) إلا إذا تعلق بالدولة الإسلامية في العراق والشام، فلا قيمة لبيعة ولا يحزنون!