(127) تعليق على مقال الشيخ المقدسي "تكفير الخوارج .. بين رغبات الطغاة والهوى المارج"
إنّ نصح العالم أولى من نصح العامي مرات، فخطأ العامي منحصر وخطأ العالم متعدٍ، خاصة إن تلقف عشرات الآلاف كل ما يكتب نشرا وتداولاً. ومن هنا إصرارنا على التعليق على كلّ ما يكتب الشيخ الموقر أبو محمد المقدسي بشأن جماعة الحرورية، فإن الخطأ الأصلي الذي يحمله فكره بهذا الصدد، لا يجب تعديه، لا لصداقة ولا قرابة ولا شراكة في وطن. فإن كثيرا من الناس لا يحسن قراءة ما على السطور بله ما بينها! فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: المقال يتناول قضية تكفير الخوارج، وهي قضية حكم فيها من هم أكبر وأعلم من كل مشايخ الساحة اليوم مجتمعين، فقالت الجمهور بأنهم ليسوا كفارا، وقالت طائفة جليلة: هم كفّار بالنص. ونذكر الشيخ المقدسي، الذي ذكر بنفسه نقولاً عن أنّ طوائف من فرق الخوارج قد أتوا بمكفرات خاصة فكفروا عند الجمهور، فإن هذا يؤكد ما قلناه سابقا أنه لا يجب أن يُحمل التكفير من عدمه على كل طائفة حرورية بالأقوال العامة للفقهاء قديما.
ثانياً: أن المقال قد جاء بنقولات لا يختلف عليها أحد من الفريقين، من كفّر الخوارج ومن لم يكفّرهم، فأتعب نفسه الشيخ دون حاجة.
ثالثا: أن علماء السلطان ممن يكفرون جماعة الدولة لا حاجة لأحد في بيان تهافتهم وتفاهتهم، فهم يكفرون كلّ من لا ترضى عنه أنظمتهم، فتاوى معلّبة، لا تستحق الردّ ولا الالتفات، فما معنى الاستماتة في الدفاع عن هؤلاء الخوارج إن كانوا كفاراً أم لا؟
رابعاً: ذكر الشيخ أدلة الجمهور ولم يذكر ما اختاره غيرهم من الأجلاء مثل البخاري والقرطبي المحدث وابن العربي وغيرهم. فهلا وضع أدلة الفريقين، لا الفريق الذي ينصره وحده.
خامساً: وهو الأهم: من قال إن القضية قضية تكفير تنظيم البغدادي أو عدم تكفيره؟ تلك قضية تحسمها الأدلة ونظر الاجتهاد حسب ما يقدّمه كلّ ناظر من العلماء في عموم أقوال الأئمة من السلف، وأقوال المعاصرين في خصوص هذه الجماعة بالذات. بل المشكلة في توصيفهم أولا بأنهم خوارج، وهو ما يتميّع فيه الشيخ المقدسيّ بطريقة تدعو للتساؤل: ما هو سرّ استماتة الشيخ في الدفاع عن تلك الجماعة المارقة في كلّ كلمة يكتبها، يبتعد بهم عن وصف الحرورية، دون أن يعرض دليلاً واحداً يدعم ما يقول، لا من قول سلف ولا خلف؟ بل ما يصفهم به في بعض ما كتب، هو عين الخروج، لمن عقل. فما هو سرّ هذه الاستماتة؟
أن من حقّ متابعي الشيخ وقرائه عليه أن يَخرج لهم بسبب هذا الموقف الذي سيسجله له تاريخ الجماعات والأقوال في هذا العصر، على إنه شاذّ غريب لم يقدّم عليه صاحبه دليلاً. وهو ما لا نبغي له والله، فالرجل ساهم بقدر في الدعوة لله ولمنهج رسول الله يجزيه الله به إن شاء خيراً، لكنّ هذا الشذوذ في الرأي لا يمكن أن يُسكت عليه، إلا ممن لا يقدّر الشيخ أو يعرف له حقه.