تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(100) هل قضت داعش على الفرصة السانحة للأمة؟

الحمد لله الذي لا يحمد سواه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

الأمر الذي لا يشك فيه اليوم عالم رباني، أو عاقل عاميّ أنّ داعشاً على ضلال وبدعة. هذا أمر لا يجادل فيه إلا عدد من البشر وصموا أنفسهم بوصمة عار الحرورية، علموا بذلك أم جهلوا.

وهؤلاء، حقيقة، لا يعنينا أمرهم في شئ، لا قليلاً ولا كثيراً، من حيث إن الله قد تكفل بأهل البدعة، أن يفضحهم الفاضحون في الدنيا، وأن يكونوا كلاب أهل النار في الآخرة.

ولن نضيع جهداً ولا وقتاً في وصف هؤلاء، فقد سودنا صفحات وصفحات في وصف بدعتهم، عقدياً وعملياً، وخراب منهجهم قصداً وفعلاً، وبيان سوء طويتهم وانحراف مسلكهم وتحدّر خلقهم، بما لا يدع في قاموس الفرق وصفاً لم نُعنى باختبارهم عليه، ونسبتهم اليه، بالحق لا بالباطل.

لكن الأمر أمر الأمة اليوم. الأمر أمر أثر هذه الطُغمة الضّالة على مسار هذه الأمة نحو مخرج من ورطتها التاريخية التي تمر بها، منذ بدء انحلال الدولة العثمانية، إلى يومنا هذا.

هناك مسارات عديدة حسبها الناس تقود إلى الإصلاح. وقد جربت الأمة، أو من له فيها شأن بأحوالها العامة، بعض هذه السبل والمسارات. لكن الفشل كان نهايتها كلها، كما هو ظاهر واضح، لا يحتاج إلى كثير جدال أو قليله. منها وسيلة الإخوان في استيعاب كل ذي عاهة وصحيح، دون محولة تقويم أو إصلاح. ثم، اعتبار الجماعة هي الأمة، والأمة هي الجماعة، وإن ظهر للعين المتسرعة خلاف ذلك، بادى الرأي. ثم التزام المسالمة المطلقة وغير المشروطة، كأن العدو أهبل جاهل، لا عقل له! فتبين أن العكس هو الصحيح. ثم تصوروا أن المفاوضات من واقع ضعف وخيبة وسوء تصور وتصرف يمكن أن تؤدى إلى شئ، وهو ما تأباه السنن الإلهية كما رأينا. ثم رايناهم يناصرون الديموقراطية، كوسيلة يتدسسون بها إلى السيطرة، وهو، مرة أخرى، إلى جانب إنه انحراف عقدي فهو سبب مختل واقعياً لا يعتمده غلى جاهل بطبيعة السياسة وشؤون الدنيا وطبائع الاستبداد المعاصر.

ثم رأينا مسار الجماعات الجهادية، في السبعينيات والثمانينيات. وكانت تصوراتها تنحصر في قتال النظام، بطرق ساذجة قاصرة، تتناسب مع بداية مرحلة ذلك المسار. لكنها أثبتت أنها كارثة من حيث أوقعت نفسها في شَرَكٍ مبيّتٍ خلع عنها كلّ شرعية، وترك أفرادها دون سبب لنصر، مما أدى إلى التراجعات التي خرجوا بها، من واقع انهيار سيد إمام، وضياع ناجح إبراهيم، وتسييس عائلة الزمر.

إلا أن ذلك المسار أنشأ طريقاً آخر، تبني الجهاد العالميّ، والخروج من الساحة المحلية إلى ضرب المصالح الغربية في بلاد الغرب. وهو ما قام عليه فكر القاعدة، في مرحلتها الأولى، ثم تحول، كما شرحنا في مقالتينا السابقتين، إلى الصراع المحلي لحرب الأنظمة الداعمة للغرب. وهو ما أحسبه شأن القاعدة اليوم، دون أن أكون منظراً لها أو منتمياً اليها.

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ٢٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ٢٨٨