تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ " (1).

فشدة الزهد والعبادة والشجاعة في حرب المسلمين، ومنها ظاهرة الانغماس، كما يسمّونها، ليست دليلاً على صحة معتقد أو سلامة منهج.

ومما يجب أن ننبه عليه هنا أنّ الخوارج الأُوَل تبنوا موقفا سياسياً عملياً، لم يكن لديهم تقريرٌ لقواعده أو تقعيد لأصوله، بل كان الأمر مجرد ظاهريةٍ جاهلة اتخذت من ظاهر القرآن "إن الحكم إلا لله"، حجة ودليلاً، دون اعتبار ما يدخل على النص والظاهر من تفسير وبيان، أو تخصيص وتقييد، أو غير ذلك مما هو معلوم في علم الأصول.

- الفرق بين قتال الفئة الباغية وقتال الخوارج

أثبتت الحوادث التي مرت قبيل ظهور الخوارج، من قتال بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما، وما تبِع ذلك من ظهور تلك الطائفة الحرورية، أنّ هناك صنفان من قتال يقع بين المسلمين (2)، قتال الفئة الباغية، وقتال الفرقة الباغية. وبينهما فرق كبير. وقد ثبت هذا بالكتاب والسنة المطهرة وسيرة الصحابة رضى الله عنهم. قال تعالى "وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا? فَأَصْلِحُوا? بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا? الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِاءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا? بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"الحجرات 9. وفيها أن المؤمنين يتقاتلون، وأنهم في حال قتالهم مؤمنون، وأنّ ذلك لا يمنع من بغي إحداهما على الأخرى، وأنها ليست باغية حتى ترفضَ الصلح. ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروقَ السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتُهم لأقتلنهم قتل عاد"البخاري ومسلم. وقد اختلف العلماء في معنى "قتل عاد"، فمنهم من قال إنّ ذلك من كفرِهم، ومنهم من قال بل ذلك مجرد تشنيعٍ عليهم، وهم لا يزالوا من أهل القبلة (3). والحق أنّ هذا يتوقف على أقوال الطائفة المعينة منهم، كمن أنكر منهم سورة يوسف، فهذا كفر لا شك فيه.

ثم ما ورد في أحداث الفتنة الكبرى، وما صاحبها من ظهور الخوارج، وتفرقة عليّ رضي الله عنه بين قتال معاوية رضى الله عنه، وقتال الحرورية في النهروان. ذلك أنّ علياً قال فيمن قاتله في موقعتي الجمل وصفين "إخواننا بغوا علينا"، بينما لم يذكر هذا في قتاله مع الخوارج، وإن أمر بعدم سبي نسائهم ولا تتبُع جرحاهم.

- إطلاق اسم الحرورية على طائفة من المسلمين:

كما أودّ أن أبين أنه لا يلزم من نسبة اسم فرقة من الفرق لجماعة ما، يعنى أنها تشارك تلك الفرقة الأم في كلّ صفاتها، بل يُطلق الاسم على المشاركِ في البعض وفي الكل. وفي بعض الأحيان يُطلق الاسمُ مجازاً، ردعاً ويطلق حقيقةً نصاً. والدليل على ذلك ما ورد عن عائشة رضى الله عنها في حديث البخاري ومسلم عن معاذة العدوية "سألت امرأة عائشة رضي الله عنها: أتقضى الحائض

(1) عن "نيل الأوطار" للشوكاني جـ 7 ص 344، والنصل والرصاف والنفي والقذذ هي أجزاء من السهم وأنواع منه، يريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يخرجون من الدين لا يتعلق منه بهم شيئاً.

(2) على اعتبار قول من لم يخرج الخوارج من الإسلام

(3) وقد حققنا هذه المسألة في ذيل رسالة لنا طبعت عام 1979، تحت اسم "حكم شيخ الاسلام فيمن بدل شرائع الاسلام"، وسأقوم بإعادة نشرها، قريباً إن شاء الله.

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ٥٧