تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجاهدين، بطريقة لا يرضاها البشر حتى مع الحيوان، مما ساعد في تحييد ذلك الولاء. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ اعتبار المآلات هو من السياسة الشرعية الحكيمة، حين قال "لا يتحدث الناس أنّ محمدا يقتل أصحابه"، فإذا بهؤلاء المتنطعين من كلاب أهل النار يقتلون بلا رحمة، فعلهم فعل الصليبية فيهم اليوم، وفي مجاهدي السُّنة.

لكنّ هذا الغباء، كان، كما أشرنا من قبل في كثير من مقالاتنا، حول ردّ الفعل الصهيو-صليبي المنتظر، أمام غطرسة البغال الحرورية، حين أشرنا إلى أنّ هؤلاء يعتقدون أنهم يعيشون في عالم ليس فيه غيرهم، وأن بضع سيارات ومدافع تركت لهم عمدا، ليصبحوا، في نظر العامة، قوة شريرة خطرة متمكنة، كفيلة بتحطيم الغرب، والشرق! وما كان هذا إلا بسبب فساد عقيدتهم، وتطرف مذهبهم، وحرورية أعمالهم، التي على رأسها نبذ العلماء، والتفرد بالقول من قِبَل عصابة لا علم لها ولا عقل، ولا ضمير. وحسبوا أن قتل صحفيين أو ثلاثة سيردع الغرب عن قصفهم بجحيم مستعر، وخسئوا، فقد والله كانت آخر عقد الشبكة ألقوها حول رقابهم فأحكموها.

على كلّ حال، وقع قدر الله، وهو قدر مقدور، لا رادّ له. ورأينا أول حصاد هشيم "الدولة" الممسوخة، نساءً وأطفالاً دفنوا تحت التراب والأنقاض. ووالله إن هذا التحالف الآثم، لن يتورع عن دفن عشرة أبرياء إن عُرف أنه سيقتل مجاهدا واحداً معهم. لم يحسب كلاب أهل النار وأغبياء هذه الديار، حساب هذا!

لكن، عودة إلى ما بدأناه، فإنني أحسب أنّ المخرج من الأزمة التاريخية العنيفة التي يمر بها المسلمون السنة اليوم لن يكون من خلال التنظيمات والجماعات التي تتكون من النزَّاع في القبائل. بل يجب أن يعاد النظر في التوجه الجهاديّ بأكمله، في داخل دوائر الممكن والمتاح والمقبول، لا المثالي والخيالي واللامعقول!

ذلك أنّ المخرج لن تنفتح أبوابه إلا إن زال حارسي الخيانة من عروش الكروش، ورؤساء الفسق والمجون. وهذا لن يتحقق بجماعات مسلحة مكونة من أفرادٍ "نزّاعٍ من القبائل"، بل لابد أن تدخل الشعوب بثقلها الذي لا يقهر، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. أمّن "شعباً، ثم جنّد جنداً وأرسل سرايا وبعوثاً.

ووصف "النزاع من القبائل" الذي جاء في حديث بن مسعود، ورواه مسلم وأحمد وبن ماجة بألفاظ مختلفة، ويعنى من يعرف فساد زمنه، ويدرك مواطن الكفر ومسارح البدعة، فيتجنب الاجتماع مع أصحاب الفساد، وهم الغالب في مثل تلك الأزمنة، كزماننا. وقد ورد لفظ "النزّاع من القبائل" في بن ماجة وأحمد والدارمي، ولفظ "الذين يُصلحون ما أفسد الناس" في الترمذي، و"يصلحون إذا فسد الناس" في أحمد. والجمع بين هذه الروايات يعطي المعنى كاملاً، فيكون هؤلاء هم صالحوا الأمة ومصلحوها، منهم ومنهم.

لكنّ الأمر أنّ أصل الوصف "النزاع من القبائل" يستدعي بالضرورة أنهم قليل "وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ". وهو ما يستلزم أنه من الصعب أن يحدث التغيير علي أيديهم، وحدهم، دون أن يعمل إصلاحهم وصلاحهم عمله في "القبائل". وقد رأينا هذا واضحاً بعد أن رأينا كافة أنواع الحركات الإسلامية منذ عام 1932، وإلى يومن هذا، بكل توجهاتهم، سلمية ومسلحة، فكرية وتطبيقية، مرجئة وخوارج، وأهل سنة من الفئة المنصورة، فلم نر نجاحاً واحداً على الأرض، إلا ما كان في مصر، فترة عامٍ، وهو نجاحٌ لفشل أصليّ، لم يكن على هدي النبوة على أيّة حال.

لابد لعلماء المسلمين أن يقفوا إزاء هذا الوضع، الذي استمر أكثر من ثمانين عاماً، وأن يتفكروا، أين الخلل؟ إن أرادوا أن يعرفوا ما المخرج.

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ١٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ١٩٤