تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

٧١ سورة نوحٍ عليه السلام (٢٥ ٢٨)

وبعدَ الواوِ النائبةِ عنهُ أيْ قالَ ربِّ إنَّهُم عصَوني وقالَ لا تزدِ الظالمينَ إلا ضلالًا ووضعُ الظَّاهرِ موضعَ ضميرِهم للتسجيلِ عليهِم بالظلمِ المفرطِ وتعليلِ الدعاءِ عليهِم بهِ والمطلوبُ هو الضَّلالُ في تمشيةِ مكرِهِم ومصالحِ دُنياهُم أو الضياعُ والهلاكُ كما في قولِهِ تعالَى إِنَّ المجرمين في ضلال وسعرو يؤيده ما سيأتي من دعائِهِ عليه الصلاة والسلام

﴿مّمَّا خطيئاتهم﴾ أي من أجل خطياتهم ومَا مزيدةٌ بينَ الجارِّ والمجرورِ للتوكيدِ والتفخيمِ ومَنْ لم يَرَ زيادَتَهَا جعلَهَا نكرة وجعل خطيئائهم بدلًا منهَا وقُرِىءَ مِمَّا خطاياهم ومما خطاياتهم اي بسبب خطايئاتهم المعدودةِ وغيرِهَا من خطاياهُم ﴿أُغْرِقُواْ﴾ بالطوفانِ لا بسببٍ آخرَ ﴿فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ المرادُ إمَّا عذابُ القبرِ فهو عَقيبَ الإغراقِ وإنْ كانُوا في الماءِ عنِ الضحَّاكِ أنَّهُم كانُوا يُغرقونَ من جانبٍ ويُحرقُونَ من جانبٍ أو عذابُ جهنَم والتعقيبُ لتنزيلِهِ منزلةَ المتعقبِ لإغراقِهِم لاقترابِهِ وتحقِقِه لا محالةَ وتنكيرُ النَّارِ إمَّا لتعظيمِهَا وتهويلِهَا أو لأنَّهُ تعالَى أعدَّ لهُم على حسبِ خطيئاتِهِم نوعًا من النَّارِ ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَارًا﴾ أي لم يجدْ أحدٌ منهُم واحدًا منَ الأنصارِ وفيه تعريضٌ باتِّخاذِهِم آلهةً من دونِ الله تعالَى وبأنَّها غيرُ قادرةٍ على نَصرِهِم وتهكمٌ بهِمْ

﴿وَقَالَ نُوحٌ ربِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين ديارًاَ﴾ عطفٌ على نظيرِهِ السابقِ وقولُهُ تعالَى مّمَّا خطيئاتهم الخ اعتراضٌ وسطٌ بين دعائِهِ عليه الصلاة والسلام للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّ ما أصابَهُم من الإغراقِ والإحراقِ لم يُصبهُم إلا لأجلِ خطيئاتِهِم التي عدَدَهَا نوحٌ عليه السلام وأشارَ إلى استحقاقِهِم للإهلاكِ لأجلِها لا أنَّها حكايةٌ لنفسِ الإغراقِ والإحراقِ على طريقةِ حكايةُ ما جَرى بينَهُ عليه الصلاة والسلام وبينُهُم من الأحوالِ والأقوالِ وإلا لأُخِّر عن حكايةِ دُعَائِهِ هَذا وديَّارًا من الأسماءِ المستعملةِ في النَّفيِ العامِّ يقالُ ما بالدارِ ديَّارٌ أو ديُّورٌ كقيَّامِ وقَيُّومِ أيْ أحدٌ وهو فَيعالٌ من الدُّورِ أو من الدَّارِ أصلُهُ دَيْوَارٌ قدْ فُعِلَ بهِ ما فُعِلَ بأصلِ سيد لأفعال وإلا لكانَ دَوَّارًا

﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ﴾ عليها كلًا أو بعضًا ﴿يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ عن طريقِ الحقِّ ﴿وَلَا يَلِدُواْ إِلَاّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ أي إلا من سيفجُر ويكفرُ فوصفَهم بما يصيرونَ إليهِ وكأنَّه اعتذارٌ ممًّا عَسَى يرِدُ عليه مِنْ أنَّ الدعاءَ بالاستئصال معَ احتمال أنْ يكونَ من أخلافِهم مَنْ يؤمنَ منكرا وإنَّما قالَهُ لاستحكام علمِه بما يكونُ منهم ومن أعقابهم بعد ما جرَّبُهم واستقرأ أحوالهم قريبًا من ألف سنةٍ

﴿رَّبّ اغفر لِى ولوالدى﴾

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم · الجزء ٩ · الصفحة ٤١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريمج ٩ · ص ٤١