تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

٩٦ سورة العلق آية (٣ ٧) وأقدم الدلائلِ الدالةِ على وجودِه عز وجل وكمالِ قُدرتِه وعلمِه وحكمتِه وصفَ ذاتَه تَعالى بذلكَ أولًا ليستشهدَ عليه السلام بهِ على تمكينهِ تعالى لَه منَ القراءةِ ثم كررَ الأمرَ بقولِه تعالى

﴿اقرأ﴾ أي افعلْ ما أُمرت بِه تأكيدًا للإيجابِ وتمهيدًا لما يعقُبه منْ قولِه تعالى ﴿وَرَبُّكَ الاكرم﴾ الخ فأنَّه كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لإزاحةِ ما بينَهُ عليه السلام منَ العُذرِ بقولِه عليه السلام مَا أنَا بقارىءٍ يريدُ أنَّ القراءةَ شأنُ منْ يكتبُ ويقرأُ وأنَا أُميٌّ فقيلَ لَهُ وربُّكَ الذي أمركَ بالقراءةِ مبتدئًا باسمِه هو الأكرمُ

﴿الذى عَلَّمَ بالقلم﴾ أي علمَ ما علمَ بواسطةِ القلم لا غيره فكما علَّم القارىءَ بواسطةِ الكتابةِ والقلمِ يعلمكَ بدونِهما وقولُه تعالَى

﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ بدلُ اشتمالٍ منْ عَلَّمَ بالقلمِ أي علَّمه بهِ وبدونِه منَ الأمورِ الكليةِ والجزئيةِ والجليةِ والخفيةِ مالم يخطرُ ببالِه وفي حذفِ المفعولِ أولًا وإيرادِه بعنوانِ عدمِ المعلوميةِ ثانيًا من الدلالةِ عَلى كمالِ قُدرتِه تعالى وكمالِ كَرَمِه والإشعارِ بأنَّه تعالى يعلمُه من العلوم ما لا تحيطُ بِه العقولُ ما لا يخفى

﴿كَلَاّ﴾ ردعٌ لمن كفرَ بنعمةِ الله تعالى بطغيانِه وإن لم يسبقْ ذكرُهُ للمبالغةِ في الزجرِ وقولُه تعالَى ﴿إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ أيْ ليجاوزُ الحدَّ ويستكبرُ عَلى ربِّه بيانٌ للمردوعِ والمردوعِ عَنْهُ قيلَ هَذَا إلى آخرِ السورةِ نزلَ في أبي جهلٍ بعدَ الزمان وهو الظاهرُ وقولُه تعالَى

﴿أن رآه استغنى﴾ مفعولٌ لَهُ أي يطغى لأنْ رَأى نفسَهُ مستغنيًا عَلى أنَّ استغنى مفعولٌ ثانٍ لرأى لأنه بمَعْنى علمَ ولذلكَ ساغَ كونُ فاعلِه ومفعولِه ضميريْ واحدٍ كَمَا في علمتني وإن جَوَّزَهُ بعضُهم فِي الرؤيةِ البصريةِ أيضًا وجعلَ من ذلك قول عائشةَ رضي الله عنها لقد رأيتُنا معَ رسولِ الله ﷺ وما لَنا طعامٌ إلَاّ الأسودانِ وتعليلُ طُغيانِه برؤيتهِ لا بنفسِ الاستغناءِ كمَا ينبىء عنه قوله تعالى ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الارض﴾ للإيذانِ بأنَّ مَدَارَ طُغيانهِ زعمه الفاسد

رُوِيَ أنَّ أَبا جهلٍ قال لرسول الله ﷺ أتزعمُ أنَّ منِ استغنى طغَى فاجعلُ لنَا جبالَ مكةَ فضةً وذهبًا لعلنَا نأخذُ منْهَا فنطغَى فندعَ ديننَا ونتبعَ دينكَ فنزلَ عليهِ جبريلُ عليه السلام فقالَ إن شئْتَ فعلنَا ذلكَ ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤمنوا فعلْنا بهمْ مَا فعلنَا بأصحابِ المائدةِ فكفَّ رسول الله ﷺ عن الدُّعاءِ إبقاءً عليهمْ وقوله تعالى

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم · الجزء ٩ · الصفحة ١٧٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريمج ٩ · ص ١٧٨