تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴾ ١ ٢٨

هَدَاني إليهِ إلى الآنَ والأوجهُ أنَّ السينَ للتأكيدِ دون التسويق وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرارِ

﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي جعلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ التي ما تكلمَ به عبارةٌ عنْهَا ﴿كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ﴾ أي في ذريتِه حيثُ وصَّاهُم بها كما نطقَ به قولُه تعالى ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ الآيةَ فلا يزالُ فيهم مَن يوحدُ الله تعالى ويدعُو إلى توحيدِه وقُرِىءَ كِلْمةً وفي عقْبهِ على التخفيفِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ علةٌ للجعل أى جعلها باقية في عقله رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشرك منهم بدعاء الموحدِ

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء﴾ إضرابٌ عن محذوفٍ ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ جعلَها كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ بأنْ وصَّى بها بنيهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشرك منهم بدعاء الموحدِ فلم يحصلُ ما رجاهُ بل متعتُ منهم هؤلاء المعاصرين للرسول صلى الله عليه سولم من أهل مكة ﴿وآباءهم﴾ بالمدِّ في العمرِ والنعمةِ فاغترُّوا بالمهلةِ وانهمكُوا في الشهواتِ وشُغلوا بها عنْ كلمةِ التوحيدِ ﴿حتى جَاءهُمُ﴾ أي هؤلاءِ ﴿الحق﴾ أي اقرآن ﴿وَرَسُولٌ﴾ أيُّ رسولٍ ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهر الرسالة واضحها بامعجزات الباهرة أو مبين لتوحيد بآيات البيناتِ والحججِ وقُرِىءَ متَّعنَا ومتَّعتَ بالخطابِ على إنَّه تعالى اعترضَ به على ذاته في قوله تعلى وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية الخ مبالغة فى تعبيرهم فإن التمتيع بزيادةِ النعمِ يوجبُ عليهم أنْ يجعلُوه سببًا لزيادةِ الشكرِ والثباتِ على التوحيدِ والإيمانِ فجعلَه سببًا لزيادةِ الكفر أن أقصى مراتب الكفر والضلالة

﴿وَلَمَّا جَاءهُمُ الحق﴾ لينبههَمُ عمَّا هُم فيهِ من الغفلةِ ويرشدَهُم إلى التوحيدِ ازدادُوا كفرًا وعَتَوا وضمُّوا إلى كفرِهم السابقِ معاندةَ الحق ولاستهانة بهِ حيثُ ﴿قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون﴾ فسمَّوا القرآنَ سِحْرًا وكفُروا به واسحقروا الرسول ﷺ

﴿وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ﴾ أي من إِحْدَى القريتينِ مكةَ والطائفِ على نهجِ قولِه تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴿عظِيمٌ﴾ أي بالجاهِ والمالِ كالوليدِ بنِ المغيرةَ المخزوميِّ وعروةَ بنِ مسعودٍ الثقفيِّ وقيلَ حبيبُ بنُ عُمرَ بنِ عمر الثقفي وعن مجاهد عيبة بنُ ربيعةَ وكنانةُ بنُ عبد ياليل ولم تفوهوا بهذه العظيمةِ حَسَدًا على نزولِه الى رسول ﷺ دونَ مَنْ ذُكر من عظمائِهم مع اعترافِهم بقرآنيتِه بل استدلالًا على عدمِها بمَعْنى أنَّه لو كانَ قرآنا لنزلَ إلى أحدِ هؤلاءِ بناءً على ما زعمُوا من أنَّ الرسالةَ منصبٌ جليلٌ لا يليقُ بهِ إلا مَنْ له جلالةٌ من حيثُ المالُ والجاهُ ولم يدرُوا أنَّها رتبةٌ روحانيةٌ لا يترقَّى إليَها إلا هممُ الخواصِّ المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتحلين بالفضائلِ الأنسيةِ وأما المتزخرفونَ باالزخارف الدنيوية المستمتعون بالحظوظ الدنية فهُم من استحقاقِ تلكَ الرتبةِ بألفِ منزلٍ

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم · الجزء ٨ · الصفحة ٤٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريمج ٨ · ص ٤٥