تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصلت آية (٢٣ ٢٦) أخفينَا فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فأنزلَ الله تعالَى وَمَا كنتم تسترون الآيةَ فالحكمُ المحكيُّ حينئذٍ يكونُ خاصًَّا بمن كانَ على ذلكَ الاعتقادِ من الكَفَرةِ ولعلَّ الأنسبَ أنْ يرادَ بالظنِّ مَعْنى مجازيٌّ يعمُّ معناهُ الحقيقيَّ ومَا يَجري مَجراه من الأعمالِ المنبئةِ عنْهُ كما في قولِه تعالى ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ليعمَّ ما حُكي من الحالِ جميَع أصنافِ الكَفَرةِ فتدبرْ

﴿وذلكم﴾ إشارة إلى ماذكر منْ ظنِّهم وما فيهِ من معنى البُعد للإيذان بغايةِ بُعدِ منزلتِه في الشرِّ والسوءِ وهُو مبتدأ وقوله تعلى ﴿ظَنُّكُمُ الذى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ خبرانِ لهُ ويجوزُ أن يكونَ ظنُّكُم بدلًا وأرداكم حبرا ﴿فَأَصْبَحْتُم﴾ بسببِ ذلكَ الظنِّ السوءِ الذي أهلككُم ﴿مّنَ الخاسرين﴾ إذ صار مامنحو لنيلِ سَعادةِ الدارينِ سببًا لشقاءِ النشأتينِ

﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾ أي محلُّ ثُواءٍ وإقامةٍ أبديةٍ لهم بحيثُ لا براح للهم منهَا والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضأ حالهم أن يعرض عنهم ويحي سوءُ حالِهم لغيرِهم أو للإشعر بإبعادِهم عن حيزِ الخطابِ وإلقائِهم في غايةِ دركاتِ النارِ ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ﴾ أي يسألُوا العُتْبَى وهُو الرجوعُ إلى ما يحبونَهُ جزعًا مما هُم فيِه ﴿فَمَا هُم مّنَ المعتبين﴾ المجابينَ إليَها ونظيرُه قولُه تعالى سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صبرنا مالنا مِن مَّحِيصٍ وقُرىءَ وإنْ يستعينوا فما هم من المعتبين أيْ إنْ يسألُوا أن يُرضوا ربَّهم فما هُم فاعلونَ لفواتِ المُكنةِ

﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ أيْ قدّرنا وقرنا للكفرة في الدُّنيا ﴿قُرَنَاء﴾ جمعُ قرينٍ أي أخدانًا من الشياطينِ يستولُون عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ وهو القشرُ وقيل أصلُ القيضِ البدل ومنه المقايضة البدلُ ومنه المقايضةُ للمعاوضةِ ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أيديهم﴾ من امور الدينا واتباعِ الشهواتِ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمورِ الآخرةِ حيثُ أرَوهم أنْ لا بعثَ ولا حسابَ ولا مكروَه قطُّ ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أيْ ثبتَ وتقررَ عليهم كلمةُ العذابِ وتحققَ موجبُها ومصداقُها وهو قولُه تعالَى لإبليسَ فالحق والحق أقل لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجميعن وقوله تعالى لمن اتبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ كما مر مرار ﴿فِى أُمَمٍ﴾ حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ أي كائنين في جملةِ أممٍ وقيلَ فِي بمعْنى مَعَ وهَذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بأعداءِ الله تعالى فيما سبقَ المعهودونَ من عادٍ وثمودَ لا الكفارُ من الأولينَ والآخرينَ كما قيلَ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ صفةٌ لأممٍ أي مضتْ ﴿مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس﴾ على الكُفر والعصيانِ كذأب هؤلاءِ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب والضير للأولينَ والآخرينَ

﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم · الجزء ٨ · الصفحة ١١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريمج ٨ · ص ١١