سبإ ٣٤ ٣٧ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا فإنَّ الجعلينِ المذكورينِ نعمةٍ من الله تعالَى وأيُّ نعمةٍ وإما أمورٌ أُخَرُ مقارنة لأمرهم داعية إلى الامتثال به من التَّرغيب والتَّرهيبِ وغير ذلك وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب أي أضمرَ الفريقانِ الندامة على ما فَعَلا من الضَّلالِ والإضلالِ وأخفاها كلٌّ منهما عن الآخرِ مخافةَ التَّعييرِ أو أظهرُوها فإنَّه من الأضدادِ وهو المناسب لحالِهم ﴿وَجَعَلْنَا الاغلال فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ﴾ أي في أعناقِهم والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ للتَّنويهِ بذمِّهم والتنَّبيهِ على موجب أغلالِهم ﴿هَلْ يُجزون إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي لا يُجزون إِلَاّ جزاءَ ما كانُوا يعملون أو إلَاّ بما كانُوا يعملونه على نزعِ الجارِّ
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ﴾ من القُرى ﴿مّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون﴾ تسلية لرسول الله ﷺ ممَّا مُنِّيَ به من قومِه من التَّكذيبِ والكُفرِ بما جاء به والمنافسة بكثرةِ الأموالِ والأولادِ والمفاخرةِ بحظوظِ الدُّنيا وزخارفِها والتَّكبرِ بذلك على المُؤمنين والاستهانةِ بهم من أجلِه وقولهم أى الفريقين خير مقاما وأحسنُ نَديًَّا بأنَّه لم يرسل قط أهل قريةٍ من نذيرٍ إلَاّ قال مُترفوهم مثلَ ما قال مُترفو أهلِ مكة في حقه ﷺ وكادُوا به نحوَ ما كادوا به ﷺ وقاسوا أمورَ الآخرةِ الموهومةِ والمفروضةِ عندهم على أمورِ الدُّنيا وزعموا أنَّهم لو لم يَكْرُموا على الله تعالى لما رزقهم طيبات الدُّنيا ولولا أنَّ المؤمنينَ هانُوا عليهِ تعالى لمَا حرُمهموها وعلى ذلك الرأيِّ الرَّكيكِ بنَوَا أحكامَهم
﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أكثرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمَّا بناءً على انتفاءِ العذابِ الأُخرويِّ رأسًا أو على اعتقادِ أنَّه تعالى أكرمَهم في الدُّنيا فلا يُهينهم في الآخرةِ على تقديرِ وقوعِها
(قُلْ) رَدًَّا عليهم وحسمًا لمادَّةِ طمعِهم الفارغِ وتحقيقًا للحقِّ الذي عليه يدورُ أمرُ التَّكوين ﴿إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء﴾ ان يبسط له ﴿وَيَقْدِرُ﴾ على مَن يَشَاء أنْ يقدرَه عليه من غير أن يكون لاحد من الفريقينِ داعٍ إلى ما فُعل به من البسطِ والقَدْرِ فربُّما يُوسِّعُ على العاصِي ويُضيِّقُ على المطيعِ وربَّما يُعكس الأمرُ ورُبَّما يُوسِّع عليهما معًا وقد يُضيَّق عليهما وقد يُوسِّع على شخصٍ تارةً ويُضيِّق عليه أخرى يفعلُ كُلًاّ من ذلك حسْبما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحكم البالغةِ فلا يُقاس على ذلك أمرُ الثَّوابِ والعذابِ اللَّذينِ مناطُهما الطَّاعةُ وعدمُها وقُرىء ويُقدِّر بالتَّشديدِ ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك فيزعمون أنَّ مدارَ البسطِ هو الشَّرفُ والكرامةُ ومدارَ القَدْرِ هو الهوانُ ولا يدرون أنَّ الأوَّلَ كثيرًا ما يكونُ بطريقِ الاستدراجِ والثَّاني بطريقِ الابتلاءِ ورفعِ الدَّرجاتِ
﴿وَمَا أموالكم وَلَا أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى﴾