لم يكذب الظن حيث اعتقل سلمان تلك الأيام، واعتقل بسببه خلق كثير ممن أرادوا نصرته والوقوف معه، اعتقل أناس لا لشيء إلا لأن أشرطة سلمان العودة وجدت في سياراتهم، وآخرون لأنهم صلوا في المسجد الذي بجوار بيته حيث بقي مغلقاً أياماً.
بعد مدة أصدرت وزارة الداخلية بياناً بشأن من أسموهما المدعوَّين سلمان العودة وسفر الحوالي، وُصفا بما وُصفا به، وإن لم أهِم فقد كان في ضمن مطاعنهم عليهما الخلل في العقيدة، و عموما فقد سمعت البيان قبل خمسة عشر عاما، مرة واحدة وبنفس منقبضة.
في تلك الأيام صدرت الفتاوى والكتيبات والمطويات بوجوب طاعة ولي الأمر، في أسلوب لا يصرح بالأسماء، لكن التوقيت يفصح عما لا يفصح عنه اللسان.
أوصد الباب على سلمان العودة خمس سنوات عجاف، كان سلمان في خلالها نجماً ازداد ارتفاعاً، كاد أن يكون كأحمد بن حنبل يوم الفتنة، فبه يُعرف الولاء للدولة أو العداء لها، فتأييد سلمان يعني معارضة الدولة، والإنكار على سلمان يعني الوقوف في صف الدولة، كان إقدام الخطيب على خطبة يستنكر فيها ما قام به سلمان كافياً في إحراق أوراقه وإعراض الناس عنه.
بعد اعتقال سلمان العودة بما يزيد على عام توفي أحد بنيه في حادث سير، كان طفلاً صغيراً، لكن جنازته كانت مشهودة كما لو كانت جنازة عالم من كبار العلماء، كانت الجنازة بمثابة مظاهرة صامتة، في إشارة من الناس لوزارة الداخلية أن سلمان العودة لم يزل في قلوب الناس.
تغنينا تلك الأيام بمرثية سلمان في ولده والتي مطلعها:
وداعاً حبيبي لا لقاء إلى الحشر ... وإن كان في قلبي عليك لظى الجمر
صبرت لأني لم أجد لي مخلصاً ... إليك وما من حيلة لي سوى الصبر
وكنا نسلي أنفسنا بقول سلمان:
سبح الحق بتيار الدم ... و اشتوى باللهب المضطرم
إلى أن قال:
أمة في الأرض لا يقهرها ... مجرم بل هي ذل المجرم