والبدل على أربعة أقسام:
بدل الكل، وبدل البعض (255) ، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط. فأما بدل الكل من الكل فهو كقولك: جاءني زيد أخوك وقال تعالى:} اهْدِنَا الصِّرَاط َ المُسْتَقِيْمَ صِرَاطَ الَّذِيْنَ} (256) .
وأما بدل البعض، فقولك: ضربت زيداً رأسه، وقال تعالى:} وللهِ عَلى النَاس حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيْلاً} (257) ، ف} مَن ِ اسْتَطاعَ} بدل من (النَّاسِ) ؛ لأن المستطيع بعض الناس لا كلهم.
وأما بدل الاشتمال، وهو أن يكون معنى الكلام الأول مشتملاً على الثاني، كقولك: سلب زيد عقله، وقال تعالى:} قُتِلَ أصْحَابُ الأخْدُوْدِ النَّار ِ} (258) ، فالأخدود مشتمل على النار.
وأما بدل الغلط، ولا يوجد ذلك في القرآن الكريم بل ولا في الشعر، وإنما يقع في أثناء كلام الناس، كقولك: مررت برجلٍ بحمار ٍ (259) ، كأنك تريد أن تقول: مررت برجلٍ وبحمار ٍ (259) ثم تذكرت فقلت: بحمار (259) ، ولا يصح في مثل هذا أن تقول بل حمار (260) .
قاعدة: تبدل المعرفة من النكرة كقوله تعالى:} وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ صِرَاطِ اللهِ} (261) وعكسه (262) ، كقوله تعالى:} لنَسْفَعاً بِالنَاصِيَةِ نَاصِيَةٍ} (263) .
النوع الثالث: تابع بعطف البيان:
وهو أن تضع الاسم الذي ليس بحلية ولا فعل ولا نسب مكان الصفة، كقولك: جاءني زيدٌ أخوك، ورأيت أبا عبد الله محمداً، ومررت بصاحبِك زيدٍ، فتبين الاسم الأول عن غيره بالاسم الثاني كما تبين بالصفة. والله أعلم.
النوع الرابع: تابع بالتأكيد
والتوكيد أيضاً يجري مجرى الصفة في الإيضاح والإتباع، وفائدته تخصيص المخبر
عنه، كما إذا قلت جاءني زيد، فربما توهم المخاطب أن أمر زيد جاءك دون نفسه، فإذا قلت: جاء زيدٌ نفسُه أو عينُه خصصت المجيء ب (زيد) .
وأسماء (264) التوكيد سبعة (265) وهي:
النفس، والعين، وكل، وأجمعون، وأبصعُون، وأبتعون، وأكتعون (266) .
تقول: جاءني زيدٌ نفسُه، ورأيت الفرسَ عينَه، وقال تعالى:} فَسَجَدَ المَلائِكَة ُ كُلُّهُمْ أجْمَعُوْن} (267) وتقول: جاء القومُ كلُّهم أبصعون.
والبَصْع: الجمع (268) .
وتقول: جاء القوم كلهم أبتعون، مشتق من (البتع) الذي هو القوة والشدة، ولا يستعمل أكتع (269) وأبصع وأبتع إلا بعد كل وأجمع (270) كما ذكرنا، وتقول: جاءني النسوة كلُّهن، جُمَعُ كُتَعُ بُصَعُ بُتَعُ.
فرع: وتؤكد التثنية ب (كلا) وتكون مع غير المضمر بالألف أبداً على صورة [واحدة] (271) ، تقول: جاءني كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين، ورأيت كلا الرجلين، وأما مع المضمر فترفع بالألف، وتنصب وتجر بالياء كسائر التثنية، فتقول: جاءني كلاهما، ورأيت كليهما، ومررت بكليهما، وفي المؤنث تقول: كلتا المرأتين بتاء زائدة.
فائدة: قد يؤكد الاسم بتكرير اللفظ، كقولهم: هذا رجل رجل، ومنه: الله أكبر الله أكبر، وقال الشاعر:
3 أنَا أبُوْ النَّجْم وشِعِْري شِعِْري (272)
والله تعالى أعلم.
النوع الخامس: تابع بالعطف
وحروف العطف عشرة:
الواو، والفاء، وثُمَّ (273) ، وأم، وأو، ولا، وبلْ، وحتى، ولكن، وإمَّا (بكسر الهمزة) .
فأما (الواو) فهي للجمع والاشتراك، ولا توجب الترتيب على الأصح، تقول جاءني زيدٌ وعمروٌ، ألا ترى أن (الواو) جمع بينهما في المجيء (274) .
وأما (الفاء) فتكون للترتيب والتعقيب، تقول: جاءني زيدٌ فعمروٌ، فهي تدل على أن عمرا جاء بعد زيد.
وأما (ثُمّ) فهي كالفاء إلا أنها أكثر مهلة، تقول: جاءني زيدٌ ثمَّ عمروٌ.
وأما (لا) فمعناها إخراج الثاني مما دخل في الأول، تقول: جاءني زيد لا عمرو، ألا ترى أنك أخرجت عمراً ب (لا) عن المجيء.
وأما (بلْ) فهي للإضراب عن الأول والإثبات للثاني، تقول: ما جاءني زيد بل عمرو.
وأما (لكن) المخففة فمعناها الاستدراك (275) بعد النفي، تقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، وإن شئت أدخلت الواو فيه قال الله تعالى:} مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ولَكِنْ رَسُوْلَ اللهِ { (276) ، [فرسول الله] (277) معطوف على (أبا) .