ولذلك فقد احتذى الوسطية في توجهه الأسلوبي، أو لنقل إن المناخ العام قد هيمن على تشكيل وبلورة توجهه الأسلوبي وفقا للموضوعات والطروحات التي يناقشها، ويخوض غمارها.
ونخلص من ذلك، الى أن المسافة بين الشعر والفكر تقاس بوحدتي اللفظ والخيال، إذ أن العقل هو ذات العقل القادر على الخلق والتوليد، كما يري تشومسكي في نظريته عن خواص اللغة: (الخاصية العامة الثانية للّغة الإنسانية التي سنتحدث عنها هنا هي طابعها الإبداعي (أو لا محدوديتها) ، ويقصد بذلك مقدرة جميع الناطقين بلغة ما على تكوين عدد ضخم غير محدود من الجمل، أو فهمه، دون أن يكون قد سبق لهم أن سمعوا بها من قبل، بل ربما لم يسبق أن تحدث بها أحد) (75) .
إلا أن مجال الشعر يستدعي الخلق والتوليد، والابتكار اللفظي والخيالي، فاللفظ هو الحد الفاصل بين الخطاب النثري والخطاب الشعري، كما تبيّن لنا فيما سبق، كما أن الخيال هو أداة التحليق من عالم الواقع المعاش، إلى آفاق التجنيح الشعري، دون أن نغفل أن المناخ الشعري نفسه، المتمثل في الانكباب على قراءة نماذجه وإبداعاته، هو البيئة المؤازرة على الإخصاب والتوالد والتنامي.
ويبدو أن الشاعر في قرارة الأستاذ أحمد جمال كان طموحا وتواقا للاستمرار من خلال إطلاق اسم الطلائع على ديوانه الأول، على أنه جزء من شعره سيتبعه بأجزاء أخر كما ذكر، ولكن الشاعر أخفق في ذلك.
ثم أبى أن يستسلم ويستقر ويركن إلى الدعة كما شاء له، فأخذ يطلّ ويشرئب من موضع تواريه، فبدا على غلاف أحد أعمال الأستاذ أحمد جمال الفكرية، في صورة عنوان استقطع من جزء من بيت وهو (مكانك تحمدي) إلا أن المفكر في نفس الذات أقسره على التواري والانزواء الى أن قبض الأستاذ أحمد جمال رحمه الله وهو كما علّل ذلك فيما سبق ب (ازدحام الحياة بالمشكلات والمطالب الحيوية للمجتمعات) (76) .
ولذلك فإن عزوف الأستاذ احمد جمال عن قراءة الشعر - كما يبدو - ونظمه، وانصرافه بالكلية الى القضايا الفكرية من دينية واجتماعية أفضى الى انتقاله من ظلال اللفظ المتلون الى وهج الحقيقة الساطع فأضحى مفكراً بعد أن كان شاعراً.
الهوامش والتعليقات
الأديب المكي أحمد محمد جمال، محمد علي الجفري ص 57.
السابق ص 32.
السابق ص 42 وعبث الوليد هو شرح مختصر لأبي العلاء المعري على ديوان البحتري سنذكره في ثبت المصادر والمراجع.
الأديب المكي ص 42.
السابق ص 52.
أفردت الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء فصلاً من كتابها (الغفران) لدراسة الغفران بين آثار أبي العلاء فعقدت لها موازنة مع رسالة الملائكة ومع ديوانه اللزوميات ومع كتابه الفصول والغايات ص 261- 271.
أصدر الأستاذ محمد حسن عواد (خواطر مصرحة) عام 1345هـ وتحدث الدكتور عمر الطيب الساسي عن الكتاب وترجم لمؤلفه في كتابه (الموجز في تاريخ الأديب السعودي) ص 66.
العطار هو أول من أقدم على جمع شعره ونشره في ديوان مستقل في سنة 1365هـ 1946م من بين أقرانه ومن سبقوه من الرُّواد في الأدب السعودي الحديث وقد كتب مقدمة ديوان (الهوى والشباب) الدكتور طه حسين (رحمه الله) وأثنى عليه وتنبأ له بمستقبل زاهر في الشعر ولكن العطار لم يواصل سيره في نظم الشعر، رغم أصالته المبكرة فيه لأن العلم صرفه عنه. الموجز في الأدب السعودي ص 187 وترجمة العطار ص 184 من الموجز. ولقد درس الدكتور عمر الساسي ظاهرة استهلال العواد حياته بالتأليف والعطار حياته بالشعر في بحثه المخطوط والمجاز للنشر من مجلة جامعة أم القرى بعنوان (ظاهرة التطور العكسي بعد اكتشاف الذات والقدرات الفعلية) .
طبع بدار الكتاب العربي بمصر بدون تاريخ وذكر الناشر في مقدمته أن (صاحب الطلائع ليس غريباً عن قراء الأدب العربي في مد أقطارهم جميعاً فهم قد قرأوا الكثير من شعره ونثره في كبريات المجلات والجرائد في مصر والشام والعراق: الثقافة، الصباح، الساعة 12، الرابطة الإسلامية، الكتاب، الإخوان المسلمون، الشرق الجديد، الجمهور ببيروت، العرفان بصيدا، الرحاب ببغداد..الخ. وفي جرائد ومجلات الحجاز: أم القرى، صوت الحجاز، جريدة المدينة المنور، المنهل، تارة باسمه الصريح وتارات برمزيه المعروفين (ابن محمد) و (الفتى المعهدي) وأرّخ الناشر لمقدمته بصفر 1366هـ وجاء في الصفحة الأولى من (وداعاً أيها الشعر) أن تاريخ الطبعة الأولى 1366هـ والطبعة الثانية سنة 1397هـ وقد ذكر الأستاذ أحمد جمال ذلك ونصّ عليه في كتابه أدب وأدباء ص 122.