2 - أن الأدب ظل إلى جانبه - وإن تخلّى عن الشعر - رافداً ومعينا فمقالاته في الصحافة تنقسم إلى قسمين:
أ - مقالات دينية.
ب - مقالات في موضوعات شتى تهيمن عليها سمتان: القيم الدينية والنزعة الأدبية ومن يقرأ موضوعات كتابه (الصحافة في نصف عمود) يجد أن عنوان الفصل الأول (في المحيط الأدبي) ويجد بين عناوين الموضوعات (شقشقة هدرت ثم قرت) و (بين الشيوخ والشباب) و (أدب الحيوانات) (الغذاء الفكري أم الغذاء الصحي) و (شهوة الكلام كشهوة الطعام) و (لماذا لا يكون لنا مجمع لغوي) و (هؤلاء إن لم يكونوا أدباء فماذا يكونون) و (المؤتمر الأدبي في موسم الحج) و (ماذا يقرأ شبابنا) و (ماذا نقرأ ولماذا نقرأ) و (نصيحة للأدباء الشباب) و (زيدان أديب غير مفهوم) و (تراجم الأدباء) و (المتاجرة بالأدب) و (عندما يكون العالم أديبا) و (إحياء سوق عكاظ) و (المطلوب من الصحافة العربية) و (هل الأدب سخرية وضحك على الذقون) و (الشاعر المجهول) و (أدباؤنا يجب أن يشاركوا في هذا المجال) و (حول السرقات الأدبية) و (الذين يستحقون التكريم) و (أسوة حسنة للأندية الأدبية)
وكل هذه الموضوعات ذوات صبغة أدبية، وتفصح عن اهتمام أدبي ظل كامنا في نفس الأستاذ أحمد جمال يطل برأسه بين آونة وأخرى، ليس من خلال الموضوعات الأدبية التي تطرق إليها في الصحافة فحسب، بل من خلال دراساته الأدبية والاجتماعية أيضا، فهو حينما يتناول قضايا الشباب ومشكلاته من خلال كتيبه (من أجل الشباب) يأبى إلا أن يكون المدخل متصلا بالأدب من خلال بوابة اللغة، للإفصاح عن شدة اهتمامه باللغة والأدب، حيث يتحدث عن الشباب في اللغة بقوله:
(إذا طالعنا المعاجم العربية نجد حديثها عن الشباب على النحو التالي:
الشباب هو الفتاء والحداثة - واصله من شبّ النار إذا أوقدها، فتلألأت ضياءً ونوراً. ويقال: شب الجواد إذا رفع يديه معا إلى أعلى. فالشباب -إذن - يعني الطموح والارتفاع والتحفز.
الناشئ: هو من بلغ العاشرة أو جاوزها قليلاً. والمراهق من كاد يبلغ الحلم أو بلغه والشباب بين الثلاثين والأربعين.
الكاعب " هي التي برز ثدياها والناهد: إذا زاد بروزهما. والنصف: هي التي بين الشباب والكهولة) (72) .
وينبني على ذلك أن الأديب لم يتوار داخل شخصية أحمد جمال، فلقد ظل كامنا يعمل في صمت، فهو وإن لم يستطع أن يتوازى، ويسير جنبا إلى جنب مع شخصية المفكر الإسلامي، المهتم بالتفسير والمباحث الفقهية وقضايا المجتمع المسلم وأحوال الأقليات الإسلامية والتركيز على تناول شخصية الفرد المسلم ودارسة أحوال المجتمع الإسلامي، فإنه لم يختف بالكلية، بل ظل في كل تلك الدراسات وسواها، المؤازر والمعين الذي يمد المفكر أحمد جمال بلغته ومفرداته وأسلوبه، بل ربما بمادته، حين يسعفه التداعي في استحضار الموروث الأدبي، وأحمد جمال نفسه يأخذ بيدنا للوصول إلى هذه النتيجة وحلّ هذه الإشكالية، حينما يقول:
(ما زال هناك - بيننا- من يظن (الأديب) هو الذي يكتب القصة العاطفية، أو ينظم القصيدة الغزلية، أو هو الذي يمارس الكتابة على مبدأ (الفن للفن) ولا أريد أن أعيد ما كتبته رداً على الأستاذ الأنصاري في الأدب أو ما قلته من قبل عن (الالتزام) التزام الأديب بشؤون بيئته، وانفعاله بالحياة حوله، ومشاركة الاحياء في مجتمعه، في آلامهم وآمالهم، بالمعالجة والإصلاح.
وإنما قرأت - أخيراً نبأ أتأيّد به في وجهة نظري عن الأدب والأديب، وهو أن العالم الأزهري الشيخ أحمد الشرباصي - وهو خطيب أديب - وضع رسالته لنيل الدكتوراة عن رشيد رضا وأثره في الأدب واللغة العربية … تحدث فيها عن السيد رشيد رضا - رحمه الله - كمفكر إسلامي ومفسر قرآني، ومشتغل بالحديث النبوي، وخطيب وشاعر، ومهتم بشؤون اللغة العربية. وقد نال الأستاذ الشرباصي شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية، بعد مناقشة هذه الرسالة بين يدي هيئة علمية أدبية من أساتذة الجامعة. والعبرة، أو موضع الاستدلال من النبأ، هو اعتبار الشيخ رشيد رضا المعروف كمفسر للقرآن الكريم: أديباً كبيراً له (أثر في الأدب واللغة العربية) وأن تعطي شهادة الدكتوراة لمقدم الرسالة، على أساس صدق دعواه وتدليله عليها بما لا يقبل الجدل أو الرفض.