إن الشجاعة للرجال من أوصاف الكمال والجمال لا سيما الأنبياء والرسل منهم، وإن تغيير المنكر يحتاج إلى قوة وشجاعة وثبات ولربما لحق الداعية من الضرر والأذى إذا كان الخصم جباراً غشوماً ظلوما، فإذا ما وقف العناد والمكابرة في وجه الحِيَلِ والطرق المؤدية إلى بيان الحق فلا مفر من إثبات الحق وإعلائه ولا محيد عن إبطال الباطل ودحضه وإلزام الخصم وإفحامه.
فلما تبين آخر المطاف رفض قوم إبراهيم (قبول الحق، قارعهم وأعلن الحرب عليهم ونازلهم، فلم يهب من الطغاة الجبابرة بطشهم وجبروتهم في إبلاغ دين الله، بل أعلن بكل شجاعة وإقدام وقوة وبسالة، مُوطنا نفسه على مقاساة المكاره للذب عن دين الله، غير مبالٍ بنفسه قائلا: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ((الأنبياء 57) .
هذه بعض صفات الخليل إبراهيم (التي كان لها الأثر البالغ في الدعوة إلى الله تعالى.
وكل صفة من هذه الصفات لها مغزى ومعنى عميق، يجب على الداعية تدبرّها والوقوف عندها واستنباط ما فيها من عبر وعظات ونصائح وإرشادات، حتى يعرف مكانه من الدعوة. ومكان الدعوة منه، والله أعلم.
الفصل الثاني:
أساليب إبراهيم (في الدعوة كما عرضها القرآن الكريم
المبحث الأول:
دراسة الآيات المشتملة على أساليب إبراهيم (النظرية في الدعوة
الآيات المشتملة على أساليب إبراهيم (النظرية في الدعوة:
قال تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين ((البقرة 258) . وقال تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة، إني أراك وقومك في ضلال مبين، وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين، فلما جنَّ عليه الليل رأىكوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربك حكيم عليم ((سورة الأنعام 74- 83) . وقال تعالى: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً، قال سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا ((سورة مريم 42- 45) . وقال تعالى: (فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا
فتى يذكرهم يقال لله إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ (. (الأنبياء 62، 63) . وقال تعالى: (فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم (. (الصفات 88، 89) .