تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن ظهور هذه الهاء في بعض المواضع قد يكون ناتجاً عن الحالة النفسية للمتكلم التي تنعكس في نطقه، ويمكن القول أن هذه الهاء تلحق مثل هذه الضمائر "هوه، هيه" عندما يكون المتكلم في نفسية متوترة وتغلب عليه العصبية والاضطراب. ومعلوم أن هذا التوتر والاضطراب يفرض على الشخص تتابع النفس بقوة وشدة، وذلك التتابع القوي يسمع على شكل صوت الهاء في نهاية الكلام، وأن المتكلم لا يقصد إلى نطق الهاء هنا، بل سُمع النفس القوي هاء دون قصد. وقد نسمع هذه الهاء في مثل هذه الحالة من التوتر والاضطراب مع الأصوات الصامتة أيضاً.

أما هاء الندبة التي تلحق آخر الاسم المندوب، فهي كذلك تنتج عن كمية الهواء المندفع من الرئتين، فالنادب الذي فقد عزيزاً عليه، متألم أشد الألم تعتصره الحسرة على فقدان ذلك العزيز، فهو يعاني من التعب والنصب، إنه مرهق منهار القوى، أنفاسه متلاحقة، فإذا ما صرخ باسم المندوب مع مابه من انفعال شديد وحرقة مؤلمة، فإنه ينطق الاسم ويمتد نفسه بألف الندبة إلى أن يصبح غير قادر على متابعة استمرارية الهواء المندفع من رئتيه فيلفظه دفعة واحدة فيسمع هاء. وقد ذهب العلماء إلى القول بأن هذه الهاء تأتي لبيان ألف الندبة وتكون مع الوقف، وتحذف مع الوصل. إلاّ أن ورود هذه الهاء لم يقتصر على الوقف فقط، فقد سمعت كذلك في حالة الوصل، كقول الشاعر:

يامَرْحَباهُ بحمارِ ناجِيهْ

كما وردت في قول امرىء القيس:

وقَدْ رابَني قَوْلُها ياهَنا

هـ وَيْحَكَ أَلَحَقْتَ شَرَّاً بِشَرّْ

وقد جعل إلحاق الهاء في الموضعين السابقين على الضرورة الشعرية (78) .

وليس إلحاق الهاء أمراً حتمياً في كثير من المواقف، فقد لا تلحق في الوقف ولا يراد بها تبين شيء. وقد أشار سيبويه إلى ذلك بعد أن تحدث عن المواضع التي تلحق فيها الهاء لتبين الحركة فقال: "وغير هؤلاء من العرب، وهم كثير، لا يلحقون الهاء في الوقف ولا يبِّينون الحركة، لأنهم لم يحذفوا شيئاً يلزم هذا الاسم في كلامهم في هذا الوضع، كما فعلوا ذلك في بنات الياء والواو (79) ". لذا يمكن القول أن إلحاق الهاء هنا يمثل لغة القلة من العرب، فأكثرهم لا يلحقونها.

أما الهاء التي تلزم "طلحة" في أكثر كلامهم في النداء إذا وقفت (80) ، فإن وجود الهاء في نهاية مثل هذه الكلمة "طلحة" عند الوقف لا يدل على إلحاق الهاء هنا لتكون هاء سكت، بل إن ما يحدث في مثل هذه الحلة هو حذف الحرف الأخير من الكلمة الذي يترتب عليه امتداد النفس حين الوقوف على صوت المدّ أو صوت اللين، وهذا النفس يسمع هاء، مما جعل القدماء يعتبرون أن مثل هذه الكلمات حين الوقوف عليها يوقف عليها بهاء السكت، ولعل هذه الهاء "وسيلة لإغلاق المقطع (81) ". قال ابن يعيش: "متى كان آخر الاسم تاء تأنيث من نحو طلحة وحمزة وقائمة وقاعدة، كان الوقف عليه بالهاء، فتقول: "هذا طلحه، وهذا حمزه" وكذلك قائمة وقاعدة، وذلك في الرفع والنصب والجر، والذي يدل على أن الهاء بدل التاء، أنها تصير تاء في الوصل، والوصل مما ترجع فيه الأشياء إلى أصولها، والوقف من مواضع التغيير (82) ". ولا نعدم أن نجد عكس ذلك، فنجد أن من العرب من يقف على هذه التاء بالتاء كما هي، وهو ما أشار إليه النحاة بإجراء الوقف مجرى الوصل، قال ابن يعيش "إن من العرب من يجري الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف: هذا طلحت، وهي لغة فاشية حكاها أبو الخطاب، ومنه قولهم، وعليه السلام والرحمت، وقول الشاعر:

بل جوز تيهاء كظهر الجحفت.

وقول الآخر.

اللهُ نَجّاكَ بِكَفَّيْ مَسْلِمَتْ

مِنْ بَعْدِما وَبَعْدِما وَبَعْدِمِتْ

صارَتْ نفوسُ القومِ عِندْ الغَلّْصَمَتْ

وكادَتْ الحُرَّةُ أَنْ تُدعى أُمَتْ (83)

من هنا يمكن القول أن هذه "الهاء" التي تنطق حينا بالتاء، وحيناً آخر بالهاء، والتي ذهب علماؤنا القدماء أنها تبدل من التاء عند الوقف. ويمكن القول أن السبب في كل هذا اختلاف لهجي؛ يؤكد صحة هذا الفرض وجود بعض القبائل كقبيلة طيء يقلب التاء هاء في جمع المؤنث السالم. فقد روي عنهم أنهم يقولون: دفن البناه من المكرماه، وكيف الأخوة والأخواه" وقد جاءت بدلاً من تاء التانيث في الحرف شاذاً، قالوا: لاه (84) ". وربما كانت هذه الظاهرة سمة من سمات اللهجات البدوية التي تهتم بسرعة الأداء وكل ما يمكنها من ذلك. يؤكد ذلك ما رواه أبو زيد في نوادره فقال: "سمعت أعرابياً من أهل العالية يقول هوَ لَكَهْ وعَلَيْكَهْ يريد هو لك وعليك، وجعل الله البركة في دارِكَهْ هذا في الوقف ويلقيها في الأدراج، وسمعت نميرياً يقول ما أحسن وجهكَهْ في الوقف، وما أكرم حسبكَهْ في الوقف ويطرحها في الإدراج (85) ". من كل ما سبق يمكن القول "أن الوقف بهاء السكت من سمات اللهجات البدوية، ولا تزال هذه الظاهرة مستمرة في لهجات أهل اليمن، إذ يقولون: "لمه؟ " يريدون لماذا؟ و "علامه؟ " يريدون على ماذا؟ و "هُنَّهْ" يريدون "هُنَّ (86) ". أما إبراهيم أنيس فقد رأى أن هذه الظاهرة ناتجة عن استمرار الهواء في النطق فقال: "ليست هذه الظاهرة في الحقيقة قلب صوت إلى آخر، بل هي حذف الآخر من الكلمة، وماظنه القدماء "هاء" متطرفة هو في الواقع امتداد في النفس حين الوقوف على صوت اللين الطويل، أو كما يسمى عند القدماء ألف المدّ وهي نفس الظاهرة التي شاعت في الأسماء المؤنثة المفردة التي تنتهي بما يسمى بالتاء المربوطة، فليس يوقف عليها بالهاء كما ظن النحاة، بل يحذف آخرها، ويمتد التنفس بما قبلها من صوت لين قصير "الفتحة" فيخيل السامع أنها تنتهي بالهاء (87) ".

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٨٧