في اسم الفعل هَلمَّ، يقال: هَلُمَّهْ ومنه قول الشاعر: يا أَيُّها النَّاسُ أَلاَ هَلُمَّهْ (58) .
في الحرف "إن" الذي بمعنى "نعم" أو "أجل" يقال: إنه. ومنه قول الشاعر:
ويَقُلْنَ شَيْبُ قد عَلاك وقد كَبِرتَ فقلتُ إِنَّهْ. (59)
في كيف، وليت، ولعل، يقال: كَيْفَهْ، ولَيْتَهْ، ولَعَّلَهْ. (60)
في تاء المتكلم، نحو انطلقت، يقولون: انْطَلَقْتُهْ. (61)
في ياء المتكلم في مثل: هذا غُلامِيَهْ، وجاء من بَعْدِيَهْ وإنه ضَرَبَنِيَه (62) .ومنه قوله تعالى: (ياليتني لم أوتَ كِتابِيَهْ، ولم أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ((الحاقة 25) وقوله تعالى: (ما أغنى عني مالِيَهْ هَلَكَ عني سُلْطانِيَهْ ((الحاقة 28، 29) .
في بعض الضمائر المنفصلة نحو: هي، وهو، يقال: هِيَهْ وهُوَهْ (63) ومنه قوله تعالى (وما أدراك ماهِيَهْ ((القارعة 10) . ومنه كذلك قول الشاعر: فما أَنْ يُقالُ له مَنْ هُوَهْ. (64) .
ضمير المخاطب، نحو: خذه بحُكْمِكَهْ (65) .
الهاء التي تلزم "طلحة" في أكثر كلامهم في النداء (66) .
ميم الاستفهام إذا سبقت بحرف جر وحذفت ألفها، مثل: عَلامَهْ، وفِيْمَهْ، ولِمَهْ، وبِمَهْ، وحَتَّامَهْ (67)
في بعض أسماء الإشارة نحو: هؤُلاء، ههُنا، يقال: هؤُلاه، وههُناهْ (68)
في الألف التي في النداء، والألف والواو والياء في الندبة نحو: ياغُلاَماهْ، ووازَيْداه وواغُلاَمهُوهْ، وواذَهابَ غُلامِهِيهْ (69) .
هذا مجمل المواضع التي ذكر سيبوبه أن الهاء فيها تأتي للوقف. وقد جاءت الهاء في مثل هذه المواقع لتفيد أغراضاً أخرى إلى جانب إفادتها الوقف أو السكت. وقد أطلق عليها كذلك هاء الاستراحة، فهل حقاً أن هذه الهاء يقصد بها المتكلم العربي الاستراحة من عناء الحديث، أو استراحة أعضاء النطق التي قد أرهقت من كثرة الكلام؟ وقد رويت لنا شواهد لغوية كثيرة في هذا المجال قديماً، ولا تزال هذه الهاء مستخدمة عند المحدثين، نجد مثل هذه الهاء في قصيدة إبراهيم طوقان "الحمائم البيضاء" التي يقول فيها:
بِيضُ الحَمائمِ حَسْبَهُنَّهْ
أَني أُرَدِدُ سَجْعَهُنَّهْ
رَمْزُ السَّلاَمةِ وَالوَداعَةِ
مُنْذُ بَدءِ الخَلّْقِ هُنَّهْ
وَيَمِلْنَ والأَغْصانُ ما
خَطَرَ النَّسيمُ بِرَوْضِهِنَّهْ (70)
... كما نسمع مثل هذه الهاء في بعض اللهجات العربية المعاصرة كما في الأردن وفلسطين فعند السؤال عن شئ معين تقول: "كيفه" ونقول كذلك: هذا كتابيه. وإذا حاولنا تفسير شيئاً من هذه الهاء صويتاً أمكن القول أن المتكلم يطلقها دون قصد منه، إذ أنه قد حشد كيمة من الهواء لغرض نطق كلمة أو جملة معينة، وبطريقة معينة من النبر أو التنغيم وتنتهي هذه الكلمة أو تلك الجملة ولازال قسم من ذلك الهواء يجري في الفم ولابد من خروجه، فتخرج أشبه ما تكون بزفرة نسميها "هاء" وهي ما لم يكن المتكلم يقصدها.
كما يمكننا القول إن الهاء التي قد تلحق بعض الأسماء لغرض الوقف أو الاستراحة كما قال النحاة وعلماء الأصوات – إنما هي تابعة لنفسية المتكلم، وتنبىء عن حالة معينة يعيشها، ونفسية خاصة انعكست بداخلها تلك الحالة التي يعيشها والأحاسيس التي يحس بها، ففي مثل قوله تعالى: (وأَمّامَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ فيقولُ يا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كتابِيَهْ، ولم أَدرِ ما حِسابِيَهْ، يا ليتها كانت القاضيةَ ما أَغْنى عنّي مالِيَهْ هَلكَ عنّي سُلطانِيَهْ ((الحاقة 25، 29) . فهذه الآيات جاءت صياغتها على لسان من رفض الإيمان بالله، وأنكر البعث والحساب، وعند بعثه، ومشاهدته ليوم الحشر عياناً، ورؤيته هول ذلك اليوم، أسقط في يده وعجز عن الدفاع عن نفسه ولو بكلمة واحدة، أيقن أن العذاب محيط به، وأنه هالك لا محالة، وإن كل ما كان يعتز به في دنياه قد ذهب عنه، فلم يبق له مال ولاجاه، وأن لانجاة له، ولابد من مواجهة مصيره المحتوم وهو الخلود في نار جهنّم. فانطلقت تلك العبارات على لسانه في عتاب للنفس بصوت حزين متهدج ونبرة محشرجة، لقد أحسّ بالتعب والعجز، إنه منهار تماماً أمام الهول العظيم الذي يراه والمصيبة الكبرى التي أوقع نفسه فيها، فبدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، نادماً على مافات بعد أن أيقن العذاب، فسمعت تلك الزفرات التي انتهت بها جمله وكأنه صوت الهاء. فهو لا يقصد نطق الهاء، وأن ما سمع وكأنه هاء ليس إلاّ اندفاع الهواء في سرعة واضطراب تناسب خفقات قلبه المنهار. ولو كان هذا الرجل في حالة نفسية مستقرة، ووضع طبيعي يبشر بالخير لاختلف حديثه واختلفت نبراته وسمعت كلماته بصورة أخرى تغاير الصورة التي سمعت بها.