تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شبه الهاء بأصوات اللين:

تميزت الهاء بصفات صوتية خاصة جعلت منها صوت الهاء الذي يتصف بصفات الصوامت إلى جانب اتصافه بصافات تنطبق على الصوائت، ولابد في هذا الموضع من الحديث عن نوعين من الأصوات: الأصوات الصائتة، والأصوات الصامتة. فأما لأصوات الصائتة Vowels "فهي التي تصدر دون إعاقة لتيار النفس (14) ". إنها الأصوات التي ليس لها مكان نطق محدد، كما لا يحدث معها إغلاق أو تضييق لمجرى تيار الهواء (15) ". ويوضح محمود السعران الصوت الصائت فيقول: "إنه الصوت المجهور الذي يحدث في تكوينه أن يندفع الهواء في مجرى مستمر خلال الحلق والفم، وخلال الأنف معهما أحياناً دون أن يكون ثمة عائق (يعترض مجرى الهواء اعتراضاً تاماً) أو تضييق لمجرى الهواء من شأنه أن يحدث احتكاكاً مسموعاً، أما الصوت الصامت فهو الصوت الذي له نقطة نطق محددة وله ناطق وأي صوت لا يصدق عليه هذا التعريف يعد صوتاً صامتاً، أي أن الصامت هو المجهور أو المهموس الذي يحدث في نطقه أن يعترض مجرى الهواء اعتراضاً كاملاً أو اعتراضاً جزيئاً (16) " فالصوت الصامت Consonant إذاً هو الصوت الذي له نقطة نطق محددة، وله ناطق محدد، كما يحدث لتيار النفس عند نطقه نوع من الإعاقة أو الإغلاق ثم الانطلاق (17) ".

وإذا حاولنا وضع صوت الهاء تحت الصوائت أو الصوامت لما أمكننا ذلك لأننا لا نستطيع أن نقول أنه من الصوائت في جميع حالات نطقه أو أنه من الصوامت مطلقاً، لأنه يجمع بين صفات الصوائت وصفات الصوامت حسب طريقة نطقه والظروف اللغوية التي ينطق بها، فقد يحدث عند نطقه أن يبقى الوتران الصوتيان ساكنين دون تحرك، وقد يصاحب هذا الوضع نوع من الحفيف يسمع في أقصى الحلق، وتتخذ أعضاء النطق في هذه الحالة وضعاً يشبه الذي يكون مع أصوات اللين، لأنه (صوت النفس الخالص الذي لا يلقى مروره اعتراضاً في الفم، وللسان أن يتخذ في نطق الهاء أي موضع من المواضع التي يتخذها في نطق "الصوائت"، ومن ثم فمن المستطاع نطق أنواع من الهاء قدر ما يستطيع نطقه من أنواع "الصوائت". ولذلك أمكن اعتبار أصوات الهاء "صوائت مهموسة"، أي صوائت يصحبها همس لا جهر (18) ". إنه صوت غير لساني، أي انه صوت لا يشترك اللسان في نطقه بصفته ناطقاً متحركاً (19) . فعلى هذا نجد أن صوت الهاء ليس له موضع نطق محدد كالأصوات الصامتة، بل يمكننا نطق هذا الصوت والإطالة في نطقه لأنه ليس إلاّ نفساً خارجاً من الرئتين. كما قال الخليل في قول الشاعر:

يُدَهْدِهْنَ الرُّؤوسَ كما تُدَهْدِي

حَزاوِرَةٌ بِأَيْديها الكُريناج

قال "حوّل الهاء الآخرة ياء، لأن الياء أقرب الحروف شبهاً بالهاء، ألا ترى أن الياء مَدّ والهاء نفس (20) ". وقد أشار سيبويه إلى هذا بقوله: (كما أن دهديت هي فيما زعم الخليل "دهدهت بمنزلة "دحرجت"، ولكنه أبدل الياء من الهاء لشبهها بها، وأنها في الخفاء والخفة نحوها (21) ". ويؤكد الخليل أن الهاء نَفَس فيقول: "الهمز صوت مهتوت في أقصى الحلق فإذا رُفِّه عن الهمز صار نفساً تحول إلى مخرج الهاء (22) ". وقد وافقه ابن جني على هذا وأن الهاء ضعيفة خفّية فقال "ومن الحروف المهتوت وهو الهاء، لما فيه من الضعف والخفاء (23) " ويستمر الخليل في تأكيد صفة الضعف لصوت الهاء فيقول "ولم يكن في الحروف أهش من الهاء لأن الهاء نَفَسُ (24) ". والهش: كل شئ فيه رخاوة (25) ".

الهاء صوت صامت:

... ومن هنا عُدَّ صوت الهاء ضمن الأصوات الصائتة. وإذا تتبعنا نطق هذا الصوت في جميع حالاته وجدنا أنه لم يستقر على صفات الصوائت فقط، بل اتصف كذلك بصفات خاصة بالأصوات الصامتة، إنه في بعض حالات نطقه يحدث تضييق لمجرى الهواء يُنْتِج تذبذب الوترين الصوتيين الذي يؤدي الى حدوث احتكاك Friction مسموع وهذه صفة من صفات الصوامت، فالهاء في هذه الحالة صوت صحيح لكنه "ألين الحروف الصحاح (26) " وعند النطق بأصوات اللين يندفع الهواء من الرئتين إلى الفم دون أن يعترضه أي اعتراض قد يضيّق مجراه فهو أكثر ليناً من الأصوات الرخوة التي يضيق مجرى الهواء عند نطقها.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٧٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٧٨٢