تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمّا في القرن التالي، الرابع عشر، حيث بدأت تختمر الخمائر الأولى للنهضة الأوروبية، فقد اهتزت البنية العقلية التقليدية تحت ضربات المذهب الاسمي nominalisme الذي شكّك في الحقائق المجرّدة واستبدل بها الحقائق المستمدة من الطبيعة الحسيّة. وظهرت حينئذ الدعوة إلى الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية (1) ، وهو الفصل الذي سوف تضع الثورة الفرنسية بعد أربعة قرون أساسه الايديولوجي في إعلان 1789 م. ونستطيع في ضوء هذه المعطيات أن ندرك كنه الاتجاه الإنساني Humanisme الذي أفرزه هذا التطور العقلي على مدى قرون والذي هو روح عصر النهضة الممتد بين أواخر الربع الأول من القرن الرابع عشر وأواسط القرن السادس عشر: إنه الاتجاه إلى تكريس الوعي الفردي تكريساً يعطيه الصفة المطلقة ويوحِّده مع الطبيعة الحسيّة؛ إنه الاتجاه إلى جعل الأنا الفردية إليهاً أرضياً يرى الحقيقة من خلال واقعه المادي المحض؛ إنه الاتجاه إلى إنزال (المطلق) من علوِّه الميتافيزيقي وجعله في هذه الإنسانية التي وصفها الفيلسوف الألماني فيورباخ Feuerbach بأنها الإنسانية التي تتغذى من نفسها، من لحمها ودمها (2) . هذا الاتجاه الذي يخرج الفرد من حالة الخضوع للمبدأ الميتافيزيقي وللسلطة الروحية التي تحكم باسمه ويدفعه إلى حالة الحرية المطلقة حيث يتحد مع العالم المادي يقود طبيعياً إلى نتيجة حتمية هي خضوع الفرد للدولة بوصفها واقعاً مادياً ضخماً ومسيطراً؛ وهو خضوع طوعي يجعله والدولة شيئاً واحداً ويخلع على الدولة صفة

، وكان شيخا فاضلا ذكر ابن الفرضي أنه كثيرا ما يسأله عن معاني في الحديث تشكل عليه (1) ، كما كتب عنه عبد الله بن شعيب بن أبي شعيب من أهل (2) أشبونة (3) .

ولا شك أن إلمامه الجيد باللغة العربية وعلومها،إلى جانب نزعته الأدبية مكنه من استيعاب كل ما يقرأ أو يسمع - هذا فضلا عن استطاعته تبليغ ما يريد بأسلوب جيد وفصاحة مطبوعة، ولهذا كان عند حديثه قلما يلحن في جميع كلامه مع حضور الشاهد

والمثل، كما يقول ابن بشكوال (4) .

وقد بدت نزعته الأدبية واضحة في نتاجه العلمي، ولهذا وصفه ابن حيان (5) بالأديب الفصيح، كما وصفه ابن بسام بأنه شاعر مقل حسن النظام، مقترن الكلام، هو في العلماء أدخل منه في الشعراء (6) وقد روى عنه أبو عمر بن عبد البر شعرا ومنه:

أسير الخطايا عند بابك واقف

على وجل مما به أنت عارف

يخاف ذنوبا لم يغب عنك غيبها

ويرجوك فيها فهو راج وخائف (7)

كما روى الحميدي قصيدة قالها وهو في طريقه إلى المشرق، وكتب بها إلى أهله ومنها:

مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثة

وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا

وما لي حياة بعدكم استلذها

ولو كان هذا لم أكن في الهوى حُرّا

ولم يُسلَني طول التنائي هواكُمُ

بلى زادني وجدا وجدّد لي ذكرى (8)

(1) المصدر السابق ترجمة 1376

(2) أشبونة: (OSUNA) إحدى كور أستجه بينهما مسافة نصف يوم وهي حصن كثير السكان. (الحميري: الروض المعطار ص60)

(3) المصدر السابق ترجمة 755.

(4) الصلة ص 253.

(5) ابن بشكوال: الصلة ص 253 (نقلا عن ابن حيان) .

(6) الذخيرة ق1 ج2 ص 614.

(7) ابن بشكوال: الصلة ص 255 (نقلا عن ابن حيان) ، الذهبي: سير أعلام النبلاء ج17 ص180، تذكرة الحفاظ ج3 ص1078

(8) الحميدي: جذوة المقتبس ص 238، 239، ابن بشكوال: الصلة ص 255، ابن بسام: الذخيرة ق 1 ج2 ص615، ابن عميرة: بغية الملتمس ص323

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٤١