الوطنية ”) (1) . وقد مضت الجمعية الوطنية تناقش مشروع إعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ وكانت مناقشته سجال أفكار استمر إلى 26 آب 1789 حيث صادقت الجمعية على الإعلان الذي أُعِدَّ ليكون مقدمة للدستور. وبعد صدور الإعلان بدأت مناقشات الدستور.
وينبغي أن نلحظ على هذه الأحداث أنه إذا كانت انتخابات مجلس الطبقات قد جرت بإرادة الملك لويس السادس عشر فإن إرادة أخرى، إرادة الأمة الفرنسية ممثلةً في نواب الطبقة الأكبر أي الطبقة الثالثة، هي التي فرضت وجود الجمعية الوطنية وأسستْ برلماناً دمج طوائف الأمة المختلفة في جسد وطني واحد. لقد ولد (البرلمان الحديث) بنفسه وفرض نفسه فرضاً على النظام القائم، وكان ميلاده يعبِّر بوضوح عن حلول الحق الطبيعي، حق الفرد والأمة، محل الحق الالهي وحقوق الألقاب الارستقراطية المتوارثة أو المصطنعة. وهذا الانبثاق الطبيعي للجمعية الوطنية وما اقترن به من التفاف الأمة، وبخاصة عموم الشعب الفرنسي، حولها هما اللذان يفسِّران بلا ريب قدرتها على
أن تصمد وتمضي قدماً في طريق التغيير. لقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن هذا البرلمان الحقيقي هو قوة لا تقاومُ لأن وراءه سنداً من الحق الطبيعي للإنسان وسنداً من إرادة الأمة. إن نظرية الحق الالهي سقطت لأن النظرية الديمقراطية القائمة على المذهب الفردي قد دقّت ساعتها إذ سطعت في عقول الناس واختمرت في ضمائرهم. لقد كانت نواة الثورة الفرنسية أولئك النواب الثلاثمائة من رجال القانون، ولقد كانت تلك النواة تحمل من القابلية للصمود والتغلّب قَدْرَ ما تحمل من قوة الفكرة الجديدة.
وكما سميِّت الثورةُ الفرنسية “ ثورة الفقهاء ” فإنها وُصِفَتْ بأنها ثورة أوروبية. كتب جوريس Jaures يقول: ((لا توجد ثورة فرنسية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل توجد ثورة أوروبية على رأسها فرنسا)) (1) . بل وصفها بعضهم بأنها ثورة أطلسية revolution atlantique أو غربية (2) .
ولابد من الإشارة في هذا الصدد إلى الوشيجة العميقة بين إعلان الحقوق الفرنسي وإعلانات الحقوق الأمريكية التي توّجت كفاح المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشرة للاستقلال عن التاج البريطاني في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. من هذه الإعلانات إعلان الحقوق الذي أعتمدته دولة فرجينيا مقدمةً لدستورها في 12 حزيران 1776. وقد نصت المادة الأولى منه على أن البشر متساوون بطبيعتهم في الحرية والاستقلال وأنهم يتمتعون بحقوق طبيعية غير قابلة للتنازل؛ وقد تكامل هذا المبدأ الأساسي الأول مع مبدأ السيادة الوطنية والنظام الانتخابي ومبدأ فصل السلطات. على أن أكبر تلك الإعلانات بلاشك هو إعلان الاستقلال الصادر في 4 تموز 1776، تلك الوثيقة التاريخية التي أعدّها الزعيم والمفكر الأمريكي الكبير توماس جيفرسون. ويتلخص ذلك الإعلان التاريخي في أن الحرية والمساواة حقان طبيعيان وأن المجتمع السياسي تكوّن بالاتفاق بين الأفراد لتأمين حرياتهم، وهو كما رأينا في إعلان فرجينيا يؤكد على سيادة الشعب. وكان جيفرسون يسعى إلى تضمين وثيقة الاستقلال مشروعه لمنع استيراد العبيد ومكافحة تجارة الرقيق، لكن المعارضة الشديدة التي لقيها أدّت إلى حذفه من الوثيقة. وكان يكافح أيضاً لتأمين الحرية الدينية وإنهاء الاضطهاد الذي كانت تمارسه الكنيسة، ووضع قانونه الخاص بالفصل بين الدولة والكنيسة (3) . وبعد برهة من الزمن لا تتجاوز ثلاثة عشر عاماً صدر الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن متضمناً المباديء ذاتها. فقد نصت المادة الأولى على مبدأ الحرية الطبيعية ومبدأ
يحمل هكذا بذرة الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، تماماً كما هو يسلم الفرد إلى واقعه المحسوس. إننا أمام الامارات الأولى لسقوط الميتافيزيقيا من حياة المجتمع المدني. أليس مثيراً جداً أن نرى عند هذا الذي كرّسته الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد أباً من آبائها الارهاصات غير المباشرة للحركة العقلية التي قادت إلى الثورة الفرنسية؟!