لا شكّ أن هذا تعليم من الله جلّ وعلا لنبيه سيّد الدعاة أمره في هذه الآيات بالاستقامة هو ومن تاب معه من المؤمنين، ونهاهم عن الطغيان، وأخبرهم أَنَّه جلّ وعلا عليم بما يعملونه محذّرًا لهم من أن يعملوا عملاً يخالف شرعه تعالى، ثُمَّ نهاهم عن الركون إلى الظلمة وأخبرهم أن ذلك سبب في مساس النار لهم، ثُمَّ أمره تعالى بإقامة الصلاة طرفي النهار، يعني الصبح في أوّله والظهر والعصر في آخره، وزلفًا من الليل أي من ساعات من الليل أي المغرب والعشاء، وعليه تكون الآية اشتملت على التوقيت للصلوات الخمس، ثُمَّ أخبر أن الحسنات أي فعل الطاعات يكون سببًا في تكفير السيئات، ثُمَّ أمره بالصبر على تحمّل المشاق في سبيل دعوته وأخبره أَنَّه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فالله جلّ وعلا في هذه الآيات تارة يخاطب النَّبي (بصيغة الإفراد، وتارة يخاطبه مع الأمّة مع أن الخطاب له (خطاب لأمّته بلا شكّ ولا عبرة بخلاف الشافعية في ذلك وقولهم إن خطابه (لا يتناول الأمّة لاختصاص الصيغة به، أمّا الأئمة الثلاثة الآخرون فإِنَّ خطابه عليه الصلاة خطاب لأمّته عندهم مع خلاف عند المالكية في المسألة لكنه قول مرجوح، أمّا الحنابلة والحنفية فهو خطاب لهم بلا خلاف عندهم، قالوا: لأنّ أمر القدوة أمر لأتباعه عرفًا. قال صاحب مراقي السعود في أصول فقه مالك:
وما به قد خوطب النبيُّ
(
تعميمه في المذهب السنّي
فقوله: تعميمه في المذهب السني يشير إلى الخلاف الَّذي ذكرنا وأن السني هو التعميم. وتحرير المسألة في كتب أصول الفقه.
والحاصل أنّ الناظر في هذه الآيات يتمثل الدعوة أمامه واضحة، فلو لم يوجد لمناهج الدعوة وأساليبها إِلاَّ هذه الآيات لكانت وافية بالمقصود، فكل داع دعا إلى الاستقامة وعدم الطغيان وحذّر المدعوين عذاب الله بأن الله مراقب أعمالهم بصير بها، ثُمَّ حذّرهم من الركون إلى الظلمة والرضا بفعلهم، وأخبرهم أن فاعل ذلك مستحق لدخول النار وأَنَّه لا ولي له من دون الله وأن الله لا ينصره، ثُمَّ أمر بإقامة الصلاة كما أمر (بأن تصلى كما كان يصليها ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) (1) ، وصبر على ما يلاقيه من الأذى في سبيل دعوته إذا التزم بهذه المناهج والأساليب كفته لدعوته طيلة حياته، وإليك بعض الكلام حول الآيات:
بدأت الآيات بالأمر بالاستقامة مخاطبًا فيها ربّ العزة والجلال أفضل خلق الله وأعظمه استقامة وأتقاه لله، فلمّا أمره بالاستقامة مع علمه تعالى أَنَّه (لن ينحرف عن الطريق المستقيم علمنا أن للاستقامة شأنًا عظيمًا فينبغي للدعاة التركيز على هذه النقطة في حالة دعوتهم للمسلمين المتّقين ليعلم كلّ النّاس أَنَّه لا غنى لأحد عن الدعوة، فالعاصي يؤمر بترك المعصية، والجاهل يؤمر بالتعلم، والعاق يؤمر بالتوبة والبرور، والقاطع للرحم يؤمر بوصلها، وهكذا، والمؤمن المتقي يؤمر بالاستقامة على ما هو عليه.
ومن هنا يتبيّن لنا أن الدعوة عامة لجميع النّاس، وأن العصاة لم يكونوا أحوج إليها من الأبرار، ومما يدلك على ذلك أنك لو تتبعت آيات الاستقامة في القرآن وجدت غالبها موجّهًا للرسل عليهم صلوات الله وسلامه.
قال تعالى في آية هود: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ... ((2) ، وقال تعالى:
(1) أخرجه البخاريّ في صحيحه في كتاب الأذان عن مالك بن الحويرث في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ...
(2) تقدّمت الإشارة إليها.