إن الكلمات كما تقول د. نور الهدى لوشن " تظل حاملة للمعاني المتعارف عليها إلى أن يأتي الأديب المقتدر الذي يفجر طاقات معانيها لتخرج إلى السياقات المختلفة لكي تتنفس الكلمات وتنبص بالحياة (109) " وهنا برز دور شيخة الناخي وإبداعها في تفجير طاقات كلماتها التي أحكمتها في تراكيب دقيقة وفي سياقات متعددة.. لتعبر عما تريده وعما أحست به تجاه الشعب البوسني المنكوب، بل تجاه كل شعب مسلم في كل أرض يشهد أبناؤها بالله الواحد وبدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ولقد كان هذا الأسلوب الإيحائي التصويري عنصراً من عناصر التشويق في القصة، عوض عن فقدان الحبكة، ودل على حسن اختيار الأديبة لألفاظها للدلالة على المعاني التي تريدها بعمق وأصالة.
وأسلوب الأديبة في بعض قصصها في مجموعتها رياح الشمال قد ارتقى حتى شابه الشعر في إيقاعه الموسيقي الجميل وإيقاع الشعر وشعور أحاسيس.
هاهي ذي تعبر عن حالة المغترب النفسية وهو يناجي الطير ويطلب منه أن يحمل له رسالة إلى أهله فتقول على لسانه:
" لا يأتيني ردك بالرفض، فقد اكتوت نفسي بناره دهراً، غرس الخنجر بداخلي ليقطع أحشائي المشتعلة بحرارة الانتظار، تسافر روحي إليك، أطير محلقاً في خيال الأوهام والآهات، أسكب الدمع أنهاراً تغسل نفسي الهائمة، أتدثر بأغطية الوحشة القاتلة تطاردني بمخالبها اللعينة تهز أوتار قلبي، تلقي بي فوق أرصفة المحطات وزوايا الطرق، تتزاحم الأجساد الملهوفة تخترق الأرض بقوة، تعبر فوق جثتي بأحذية قذرة، أتنفس الهواء المتعفن بالأتربة المتطايرة، أبذل المحاولات في النهوض، أتعثر في خطاي، أرتشف قطرة من عبراتي المنهمرة فوق وجهي المطارد، أقضم كسرة خبز أخمد بها هياج أمعائي الخاوية (110) .
في هذا المقطع أرى إيقاعاً صوتياً بين مقدمات جملها، من مثل:
أتنفس الهواء.
أتعثر في خطاي.
أرتشف قطرة.
أقضم كسرة.
وهذه خاصية من خصائص جملها في المجموعة الثانية، وقد أضفى هذا الإيقاع الصوتي على النص نغمة موسيقية عذبة، ونبرة حلوة، إضافة إلى الشحنات العاطفية المستمدة من العبارات المصورة الموحية، وقد أدى هذا إلى مشاركة المغترب في أحاسيسه؛ والأدب الجميل ما هز المشاعر.
ولغة الأديبة ولا سيما في مجموعتها الثانية مصورة بعمق ما تريد أن تعبر عنه، فكثرة الوافدين، ومادية البلد في حضارتها الجديدة عبرت عنهما بعبارة " الأجساد الملهوفة تخترق الأرض بقوة "، والفقر الشديد صورته ب " هياج أمعائي الخاوية "، وأي كلمة أبلغ من " هياج " للدلالة على آلام الجوع، والسيارة " أشبعت " بلوازم السفر للدلالة على الامتلاء الشديد، و " البحر هائج يلتهم الرمال " فكأنه وحش أمام فريسته، و " الصباح يزحف مرسلاً وميضه "،فأشعته الوادعة تشبه الوميض في لغة الأديبة، ولسياط الجلاد لهيب، وهي كوحش جائع، والأجساد لا تقوى على الصمود أمام لهيب السياط المسعورة، وحروف الكلمات " عباءة أتدثربها في لياّلي المرعبة " والخوف سكن في أعماقها كجان يرعبها، والثورة عبث جنوني ...
وهذا مجاز ذو علاقة فاعلية يقوم بعمل التجريد، فيحول الخوف من الإنسان المادي إلى الأسئلة المعنوية للدلالة على شدة الذعر وقد بدا في قولها: " لزم الجميع الصمت، والصغار يمطرونهم بوابل من أسئلتهم الخائفة ".
وهذه صور اشتركت فيها حاستا السمع والبصر معاً للدلالة على إحساس البطل بالضيق جاءت في قولها: " والخبر يئز في أذنيه، كل ما حوله بدا موحشاً كئيباً ".
ولننظر كيف عبرت عن جنود الاحتلال: " كانوا هنا بأحذيتهم السميكة " وكيف عبرت عن التغرب القسري: " لماذا لفظتني مطروداً " وما أكثر المشردين الذين لفظتهم أوطانهم، ولذلك نراها تقول: " الأرض حبلى بالمطرودين أمثالك ".
ولم تخل مجموعة الرحيل وهي أول مجموعة كتبتها من خاصية التصوير أيضاً، فهي حين تشير إلى إحساس المرأة بالمرارة تقول " انطويت على نفسي " وإلى الثورة النفسية في الأعماق: " الاستغاثة المتشنجة "، وإلى الركض وراء خطب لا يلقى لها بالاً: " تلهثين خلف سراب الوهم ".