تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحاء في: حارقة، حطمته، أحس، نحوه، حياة، الأحزان.

وكان هذا كله دليلاً على شدة التوتر والضغط النفسي الذي أحس به البطل، ثم أودى بحياته.

وكان للفواصل التي تكاثرت بين الأسطر على شكل نقط متواليات دورها في التعبير أيضاً فقد زادت الإحساس بالألم عمقاً، حتى بدت وقفاتها وسكناتها ناطقة لا صامتة، وكأنها تدع القارئ يتملى الموقف، ويفكر وسط زخم من الصور التي تنم عن الانفعالات المتكررة الأليمة.

ولنقرأ للأديبة أيضاً هذا المقطع من قصة " أحزان ليل "، وفيه فواصل زمنية متعددة لها إيحاءاتها ودلالاتها على شدة الخوف والذعر الذي أحاط بالناس من جراء القصف المتواصل:

«شيء مخيف.

ماذا تقصد؟

تكلم.

أتقول الحقيقة؟

…………………

لا، لا يمكن أن يحدث هذا.

إنك تلعب بأعصابنا.

لزم الصمت برهة وسرح بعيداً.. ثم تكلم متابعاً حديثه:

ليت الساعة تقوم.

... الساعة؟

نعم الساعة … بل القيامة» (104) .

فالفواصل المنقطة هنا تدل على الزمن الذي استغرقه المتحدث وهو صامت لا يجيب، وهذا الصمت شارك في الدلالة التعبيرية، إذ أشعرنا بأن الخفير غير قادر على التعبير عن هول الموقف، ولهذا كان يسكت، فلما تكلم قال " ليت القيامة قامت" مشيراً بذلك إلى شدة ذعره من العدو.

والأديبة لجأت في معظم قصص رياح الشمال إلى اللغة الرمزية، ولكن الرمز فيها واضح، لاسريالي (105) إذ لا غموص فيه، بل هو يستشف من السياق العام بما فيه من إيحاءات، فيكون أبلغ في الدلالة التعبيرية.

قالت في قصتها " انكسارات روح " وهي كما ذكرت لي " تتحدث عن حرب البوسنة والهرسك ويمكن أن نعدها تتكلم عن كل حرب ضد الإسلام والمسلمين" (106) :

«إذا كانوا قد سلبوك حقك في الدفاع عن كرامتك فما عليك إلا الصمود.

لكنهم يصادرون أحلامي.. يلوثون مساحاتي.

المطر لا يزال ينهمر، سيغسل بواباتك المخلوعة، وزجاج نوافذك المهشمة.. وسيطوي الليل رذاذ أنفاسهم القذرة.. وعندها ستمدين يدك نحو القمر مصافحة، ويمتد الفرح ليغمر مساحة روحك وأنت تودعين كآبتك الجنائزية» (107) .

فالقاصة هنا استخدمت الرمز للتلويح بالانتهاكات التي تعرضت لها المرأة البوسنية من الصرب المجرمين، ونقلت لنا الحالة الوجدانية التي كانت عليها البطلة بهذه الألفاظ الموحية بالثورة التي كانت لرد الكرامة، ولهذا جاءت الأديبة بما ينم عن هذه المعاني من مثل " مصادرة الأحلام، تلويث المساحات، البوابة المخلوعة، زجاج النوافذ المهشمة، الأنفاس القذرة، الكآبة الجنائزية، المطر ينهمر ليغسل ... الليل سيطوي، القمر سيصافح، الفرحة تغمر مساحة الروح "

وهذه الألفاظ كلها جاءت من استدعاء القاصة للمعاني الإيحائية، فالكلمة تستدعي أخرى، فسلب الحق يدعو إلى الدفاع عن الكرامة، وهذا يؤدي إلى الصمود، ويذكر بانتهاكات العدو، ومصادرة الأحلام، وتلويث المساحات … وهذا التلويث وتلك الجرائم تستدعي المطر ليغسلها، والعدو يهشم، وهذا يعني الكآبة الجنائزية … وهناك تفاؤل.. والتفاؤل يذكر بالقمر، والفرح، والمصافحة ...

لكأن الأديبة كرست رصيدها اللغوي والصور التي التقطتها مخيلتها من أجهزة الإعلام، واحتفظت بها ذاكرتها لتقدم بهما حكاية للمآسي مؤثرة في الأعماق بألفاظها التي يجمع بينها علاقات التضاد حيناً، والتدرج أخرى (108) .

فمن التضاد قولها: السلب والصمود، والفرح والكآبة، والتلويث والغسل، ومن التدرج: سلبوك حقك ... يصادرون أحلامي، يلوثون مساحاتي، المطر ينهمر، الزجاج يهشم، الأنفاس القذرة، الكآبة الجنائزية.

فالجرائم بدأت بسلب الحقوق، ومصادرة الأحلام، ثم تلويث المساحة، فكان المطر وهذا أدى إلى ازدياد التهشيم والتحطيم والقذارة، ثم كانت الكآبة الجنائزية، وهذا التدرج أوحى بكثرة الجرائم التي صبت على الشعب المسلم في البوسنة وأمثالها صباً..

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٦٥