وقد درست في هذا البحث هاتين المجموعتين، وبدأت بتمهيد أوجز الحديث عن العصر الذي عاشته الأديبة، وعن حياتها، لقلة ما نشر في هذين المجالين ثم أتبعته بالحديث عن مضمون القصة الناخية، ودرستها فنيا، مضمونا وشكلا، وكان اهتمامي بالشكل يفوق اهتمامي بالمضمون بعد أن رأيت الدراسات المعاصرة تصب اهتمامهاعلى الثاني، حتى غدت القصة كبحث عن الدراسات الاجتماعية والسياسية لاعلاقة لها باللغة خاصة، وبالفن عامة إلا لمما.
القصة القصيرة عند شيخة الناخي رائدة القصة الإماراتية
كتاب القصة ورواتها مصلحون لا تستغني عنهم الحضارة الإنسانية فهم يصورون العالم ويخططون حدوده وأشكاله في الأذهان
التمهيد:
سأتحدث فيه عن عصر الأديبة والنشاط القصصي في الإمارات، وعن حياة شيخة الناخي بإيجاز يناسب البحث، ويتعلق به.
1- عصر الأديبة:
عاشت شيخة الناخي على أرض الإمارات العربية المتحدة، وغذت من معين ثقافاتها، وعاداتها، وشهدت تحولات مجتمعها بعد اكتشاف النفط خاصة، وانفتاحها على العالم اجتماعيا وسياسيا، ونشاط الحركة التعليمية فيها، وتحولها من الكتاتيب إلى التعليم الرسمي، ورأت بأم عينها الاتساع الثقافي، ودور المرأة فيه، ودخول أجهزة الإعلام التي أطلعت الشعب على ما يجري في الساحتين العربية والإسلامية في كفاحهما ضد الاستعمار والصهيونية، كما اطلعت على الوعي السياسي والديني الذي كان قد بدأ بتأثيرالحركة الوهابية، ثم اتسع فقضى على البدع والخرافات ونشر الوعي الديني السديد.
وقد تسربت في الربع الأخير من القرن العشرين تيارات فكرية وفنية جديدة أدت إلى تغير البنى الاجتماعية، وقلب معايير العلاقات بين الناس، وتضاءلت فكرة الانتماء القبلي، وساعدت الصحافة التي ظهرت في البلاد منذ 1969 م على نشرالثقافات المتعددة والتطلعات الجديدة، وعلى تقديم القصص للقراء، وكانت جريدتا الخليج والاتحاد تستقبلان نتاج الأدباء وكذلك فعلت المجلات كالرافد والآداب والمنتدى.
وفي عام 1976م أنشئت جامعة الإمارات قي مدينة العين فكان لها دورها الثقافي الكبير، وانتسبت الأديبة إلى قسم اللغة العربية فيها، كما عملت البعثات التعليميةعلى تنشيط الثقافة إضافة إلى النوادي الأدبية والجمعيات الثقافية، وكان للمرأة دورها المبكر في هذين المجالين، وكانت "شيخة الناخي " من مؤسسات نادي فتيات الشارقة، ورئيسة القسم الثقافي فيه، وذلك يشير إلى أن المرأة الإماراتية قد حصلت على كثير من حقوقها الثقافية والاجتماعية 0
وقد عمل " اتحاد كتاب وأدباء الإمارات " على تنشيط الفن القصصي في الإمارات وكان يضم أربع عشرة قاصة، وهذه ظاهرة مثيرة للإعجاب في مجتمع محافظ ناشئ كالإمارات (1) .
2- لمحة عن القصة القصيرة في الإمارات:
مع ولادة الحركة الأدبية الحديثة في الإمارات برزت القصة كلون أدبي مؤثر، ذلك لأنها من أقدر الفنون الأدبية على تمثيل الأخلاق وتصوير العادات، ورسم خلجات النفوس، وحث القراء على المثل العليا وكريم الخلال 0
وكان للقصة جذورها في أدبنا العربي القديم ولكن الإمارات المعزولة عن العالم بصحرائها الشاسعة لم تعرف الرواية والقصة كجنس أدبي له شروط فنية جديدة إلا بعد ظهور النفط، واحتكاكها بالعالم ثقافيا وتجاريا، ولهذا برز في القصص الإماراتي التفاعل الثقافي، واصطبغ في كثير منه بالصبغة الإماراتية0
وكانت القصص الأولى ودراسات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات التي بدأت في لقائه الأول 1985م (2) تهتم بالمضمون لا بالشكل الفني، وكان للمرأة مشاركات في هذا المضمار، إذ تحدثت بنبرة واقعية عن حياة مجتمعها، والتغيرات الحضارية التي ظهرت على الساحة، وما صاحبها من قلق روحي ونفسي، ووجدت في القصة القصيرة بغيتها مما أدى إلى نموها كما وكيفا بصورة تلفت النظر، وكان صوت المرأة ينم عن سخطها على التقاليد ورفضها للأعراف القديمة, ولا سيما سطوة الآباء، وكان في نبرة بعضهن نزعة إنسانية تخطت الحدود المحلية الضيقة وإن لم تتضح فيها تسمية أماكن أو أزمنة محددة، إذ جاءت على شكل تداعيات عن واقع مؤلم أحسسن به، وهو يمثل شريحة في مجتمع ما (3) كما بدا في القصص أيضا التأثر الواضح بالقصص العربية التي سادت في أجواء العصر الحديث، ولا سيما في مصر والشام إذ ركزت هذه على الفقر، والعلاقة بين الجنسين (4) فقلدها قصاص الإمارات وصوروا الطبقية وجعلوا العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على الخيانة أو على سوء الفهم (5) ، حتى بدت كأنها تحكي مجتمعا كمجتمع الغرب لا تحكمه قيم ولا دين، ولا تؤثر فيه أخلاق البداوة وعفتها ونقاؤها.