تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المطلق. أي أن الفرد والدولة يصبحان صورتين للقوة مندمجتين أولاهما في أخراهما، على أن أولاهما قوة خاضعة إلى حدّ التلاشي في الأخرى بينما الأخرى قوة مسيطرة إلى حدّ أن تكون إلهاً للأولى. لقد عرّف المفكر الألماني Treitschke الدولة بأنها قوة l”Etat est force (1) ، وعرّف هيجل الدولة بأنها المطلق، وفي نظر الفقيه الفرنسي العميد ديكي Duguit فإن جوهر الدولة يكمن في فرق القوة بين الحكام والمحكومين (2) ؛ أما كانت Kant فقد فقد أصلّ القانون، الذي هو نظام حياة الدولة، في القوة. ومن هنا قول الفقيه الألماني إهرنك Ihering إن غياب القوة المادية هو الخطيئة القاتلة للدولة (3) . وهو خطيئتها القاتلة لأن القوة المادية ليست أداةً لقمع حالات الخروج على نظام الدولة فحسب، ولكنها القاعدة العامة لنظام الدولة واكسير حياتها.

ونستطيع أيضاً أن نرى ما في تيار الإنسانية هذا من قوة اندفاع نحو تحطيم القوالب التقليدية للعقل والحياة والدولة: إنه تيار يتغذى على تكريس إرادة القوة في الفرد والدولة على السواء. وقد وصل هذا التيار مع رينيه ديكارت Rene Descartes في القرن السادس عشر إلى لحظة التحطيم الجذري لهذه القوالب التقليدية عندما أطلق قولته المشهورة: ((أنا أفكِّر، إذن أنا موجود)) ؛ وهكذا هدم ديكارت جميع الحقائق أو، وفق لغته، أحلام العالم الموضوعي ونهضت من بين ركام الحقائق المنهارة هذه الأنا التي تتكلم في فراغ مطلق وتقرِّر الحقائق كما يقرِّرها إله. وواضح أن أولوية الأنا عند ديكارت تتجاوب مع أولوية الوعي عند القديس أوغسطين وواضح أيضاً أن اعتباره الحقيقة فكرة العقل ذاتها يتجاوب مع قول القديس توماس الاكويني إن الإنسان هو جوهرياً عقل. وهكذا فإن العصور القديمة والوسطى والحديثة تلتقي على أمر جامع هو تأليه الإنسان أو بالأحرى تأليه الأنا الفردية La divinisation du moi؛ وهو، كما رأينا آنفاً، الطريق الذي يوصل طبيعياً إلى تأليه الدولة. وليس هذا التأليه للإنسان فكرة مستقرة في العقل الباطن الأوروبي فحسب، بل هو فكرة واعية وجدت تعبيرها الصريح في البيئة المسيحية في العصر الوسيط حيث ظهر تعريف للإنسان بأنه إله ثانٍ L’homme est un second dieu (1) . لقد قدّم ديكارت لأوروبا أساساً جديداً للفكر والحياة حينما هدم جذرياً ثنائية العقل والحقيقة وحرّر الإنسان الأوروبي من ربقتها ومما تنطوي عليه من قيود للفكر والسلوك؛ إن صيحته المشهورة الآتية من أعماق الحضارة الأوروبية المسيحية تعلن نهاية النظام القديم وتفتتح عهد الإنسان الحرّ والدولة الحرة: عهد الإنسان الذي (يقرِّر) الحقيقة بوعيه الفردي البحت و (يبتكر) تصرفاته بإرادته الفردية البحتة، وعهد الدولة صاحبة السلطة العليا المطلقة أي الدولة ذات السيادة؛ إنها بشارة

إلى أوروبا بالدخول في عصرها الحديث، عصر الدول القوية وحركة التوسع الأوروبي. وإذا كان ديكارت قد حرّر العقل نهائياً من قوالب بنيته التقليدية وأطلق حيويته الحرة فإنه قد ضمن بذلك لمنهجه أن يصل في تأثيره إلى الدرجة التي يشير إليها لويس كارديه Louis Gardet بقوله إنه بلغ حدّ توجيه منطق الرجل العادي (1) . ونستطيع إذن أن نؤرخ بهذه اللحظة الفاصلة من تاريخ أوروبا بدء مسيرتها نحو الديمقراطية الحديثة، حيث بزغ فجر إيمان جديد، إيمان الفرد بنفسه إيماناً جعله في وعي حقيقةً مطلقة؛ وتلك هي المسيرة الطويلة التي سوف تتوِّجها الثورة الفرنسية في 1789 م. ولا ريب في أن نموّ هذا الإيمان الجديد يبدِّد تدريجياً في وعي الفرد والجماعة صورة صاحب السيادة بوصفه حقيقةً مستقلة عن الجماعة بحيث يصبح صاحب السيادة هو الجماعة نفسها وتصبح هي مصدر السلطة والقانون. ونستطيع أن نرى هذا التحوّل العميق عندما نقارن بين مفهوم جون لوك وبين مفهوم جان جاك روسو لصاحب السيادة في نظريتيهما عن العقد الاجتماعي. فالعقد الاجتماعي عند لوك ينعقد بين طرفين أحدهما الجماعة والثاني فرد يصبح بمقتضى العقد صاحب السيادة؛ وهذا العقد ينشئ حقوقاً وواجبات متبادلةً بين طرفيه بحيث تكون سلطة صاحب السيادة نسبية خاضعة لشروط معينة تتحكم في نشوئها وفي بقائها. أما العقد الاجتماعي عند روسو فإنه عقد تبرمه الجماعة مع نفسها وتصبح بمقتضاه هي صاحبة السيادة وتكون سلطتها بطبيعة الحال مطلقة؛ إن حصيلة العقد الاجتماعي هي ما أسماه روسو سيادة الإرادة العامة (2) . إنَّ انهيار ثنائية العقل والحقيقة على يد ديكارت، أي صيرورة الحقيقة فكرة العقل ذاتها، قد أذن بانهيار ثنائية الإنسان والدولة وصيرورة الفرد، وبالتالي الأمة، جوهر الدولة وحقيقتها النهائية. وإن هذه الأحادية العقلية والسياسية التي هي روح العصر الحديث هي الطور الأخير الذي أصبحت تسير نحوه

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣١٧