تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المساواة، وترجمتها المادة الثالثة بالنص على مبدأ سيادة الأمة، وجاءت المادة السادسة عشرة للتوّج هذه المباديء الثلاثة بمبدأ الفصل بين السلطات؛ وكما رأينا في إعلان الاستقلال الأمريكي الصادر في 1776 فإن إعلان الحقوق الفرنسي نصّ على أن هدف المجتمع السياسي هو الحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية.

الثورتان رضعتا إذن لبان الأفكار ذاتها، والثورة الفرنسية سلكت طريقاً ارتادته قبلها الثورة الأمريكية. والأجدر أن نقول إن الثورتين قد خرجتا من أصول ثقافية مشتركة. ويكفي في الإشارة إلى ما بين الثورتين من نسب فكري عميق أن نذكر أن أعداء جيفرسون، وهو من كبار رجال معركة الاستقلال والديمقراطية الأمريكية، قد اتهموه بأنه “ آلة في يد فرنسا ” و “ أداة روبسييير ” و “ والملحد اليعقوبي ” و “ قاتل الملوك ” (1) . ونادي اليعاقبة هو الجناح المتطرف في الثورة الفرنسية، ومن أعضائه روبسييير.

المطلب الثاني: الخلفية التاريخية للثورة الفرنسية.

لا يمكن فصل عصر التنوير عما سبقه من عصور، بل هو ثمرة تطور عقلي عميق حصل للشعوب الأوروبية خلال تاريخها الطويل. وإذا كان عصر التنوير يبدو لنا وثيق الصلة بعصر النهضة الأوروبية فإنه متصل بما سبقها من مراحل التطور العميق والبطىء. وإذا كانت الثورة الفرنسية هي بنت المذهب الفردي الذي سطعت أنواره في القرن الثامن عشر فإن معرفة مضامين التطور العقلي الذي أفضى إليه تتيح لنا أن نصل إلى الكنه العميق للأساس الجديد المزدوج للدولة أي الحرية الفردية وسلطة الأمة وأن نستشرف، من هناك أي من حيث نرى كنه هذا الأساس، مستقبل العلاقة بين الإنسان والدولة ومستقبل حقوق الإنسان والمواطن.

نستطيع أن نرى بذرة المذهب الفردي في نظرية القانون الطبيعي كما صاغها الفقيه والمفكر الروماني الشهير شيشرون Ciceron (106 - 43ق. م) . ونظرية القانون الطبيعي ظهرت أول مرة على يد فلاسفة الاغريق المتأخرين وبخاصةٍ الرواقيين stoiciens في أواخر العصر الاغريقي عندما أخذ الفكر السياسي يتحرّر من طغيان فكرة الدولة ويرى للفرد وجوداً ذاتياً مستقلاً عن الدولة أي وجوداً طبيعياً غير وجوده السياسي، (مناقضاً بذلك تعاليم أرسطو) (1) . وشيشرون الذي هو أحد أبرز فقهاء الرومان المتأثرين بفلسفة الرواقيين ذهب إلى وجود قانون طبيعي منتشر في جميع البشر وإلى أن الناس أحرار بخضوعهم لهذا القانون وإلى أنهم في ضوئه متساوون؛ وإنما هم متساوون في تكوينهم النفسي وفي كونهم كائنات عاقلة وفي تمييزهم المشترك بين الخير والشر. وفي تحديد مصدر هذا القانون الطبيعي قال شيشرون إنه نابع من العناية الربانية ومن الطبيعة البشرية العاقلة؛ أنه قانون العقل الصحيح. لكنه قال أيضاً إن الإنسان هو المصدر الأول لفكرة العدل، وأرجع القوانين إلى التمييز المتأصل في طبيعته بين الخير والشر. وهكذا يبدو الميل عند شيشرون إلى اعتبار العقل مرجعاً أصلياً لمعرفة القانون الطبيعي، رغم المسحة الميتافيزيقية (2) التي يخلعها على هذا القانون. وكما تلقّى فقهاء الرومان فكرة القانون الطبيعي من فلاسفة الاغريق فإن الأوروبيين تلقَّوا من شيشرون نظريته في القانون الطبيعي وأصبحت عندهم على مدى قرون سلاحاً لمقارعة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والمساواة. وإذا كان واضحاً أن هذه النظرية قد وجهت الفكر الأوروبي نحو تدعيم حرية الفرد وذاتيته المستقلة فإننا نستطيع أن نقول إنها أسهمت في دفع هذا الفكر في الاتجاه المؤدي إلى تكريس سيادة العقل الفردي.

هذا الاتجاه إلى تكريس سيادة العقل سوف يتلقى في القرن الخامس الميلادي دفعة قوية على يد القديس أوغسطين Saint Augustin صاحب (مدينة الله La Cite de Dieu) و (سلطة النوع الإنساني - L’autorite du genre humain) والذي عرّف الوجود بأنه ظاهرة وعي Phenomene do la Conscience. وواضح أن القديس أوغسطين أعطى الوعي أولوية تجعل منه، وهو من أوائل فلاسفة المسيحية الكبار، رائد المذهب العقلاني في التاريخ الأوروبي. إنه، كما يقول كوستاس يايويانوّ Kostas Papoiannou (1) ، الجدّ الأعلى لهيجل Hegel. وهيجل (1770 - 1831 م) هو الذي قال إن الدولة هي التجسيد الواقعي للفكرة المطلقة. وفي قلب العصر الوسيط تطالعنا في أوساط رهبان الكنيسة النزعات التي سوف تطبع العصر الحديث، وهي العقلانية والليبرالية والفردية التي حاولت الكنيسة دون جدوى قمعها والتي نجم عنها في أوساط الرهبان تصوّر للأخلاق متحرر من القانون الديني. وتسلمنا هذه المرحلة القلقة من مراحل العصر الوسيط إلى رمز كبير من رموز الكاثوليكية في القرن الثالث عشر (أواخر العصر الوسيط) ، إلى القديس توماس الاكويني Saint Thomas D'Aquin (1226 - 1274 م) الذي يعرِّف الإنسان بأنه من الناحية الجوهرية عقل L’homme est essentiellement raison والذي يكرِّس الفرد على ما هو عليه في واقعه المحسوس. وقد قيل إنه أبو الفلسفة الحديثة (2) . وتتجاوب رؤيته للسلطة السياسية مع رؤيته هذه للإنسان: فالسلطة التي هي حق إلهي طبيعي، مفوَّضة إلى الشعب، بمعنى أن الشعب يختص بتعيين الحكام من وسطه؛ وهكذا يعرِّف رئيس الدولة بأنه نائب الجماعة Vicaire de la multitude (3) . ونستطيع أن نلحظ الدلالة الخطيرة والمثيرة التي ينطوي عليها مذهبه: فإذا كان الإنسان جوهراً عقلياً فإن السلطة الطبيعية للجماعة هي في التحليل الأخير سلطة قائمة بذاتها أي مطلقة. إن مذهب القديس توماس الاكويني

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣١٦