المبحث الأول: الذين قالوا بمجيئه بعد ارتفاعه بوقتٍ قصير
بعض النصوص السابقة فيها الإيحاء بأن المسيح (سيعود بعد وقت قصير من وقت ارتفاعه، لهذا برز عند النصارى في وقتٍ مبكرٍ من تاريخهم دعوى عودته ومجيئه مرة أخرى.
وممن كان على هذا الاعتقاد ((بولس)) فقد صرح بأن مجيء المسيح مرةً أخرى سيكون في الفترة الزمنية التي هو يعيش فيها، كما في قوله السابق لأهل ((تسالونيكى)) ((إنَّا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين.. والأموات في المسيح سيقومون أولاً ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء وهكذا نكون كل حين مع الرب)) .
وقوله في ((كورنثوس الأولى)) (15/51-53) ((لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عينٍ عند البوق الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير)) . هكذا زعم. ولا شك أن هذا لم يتحقق فلم يأت المسيح - عليه السلام -، ولم يخطف ((بولس)) ، وبان بهذا أن قوله السابق غير صحيح وهو كاذب فيه، ولعله بسبب هذا القول لم يحرر تاريخ مؤكد لوفاته، فإن النصارى لا يعلمون على اليقين أين تُوفي، ومتى كان ذلك، وإنما يعلمون أنه وصل حسب المعلومات المتوفرة إلى روما، ثم منهم من يقول إنه قُتل في اضطهادات ((نيرون)) (4) عام 64م، ومنهم من يقول إنه لم يُقتل وإنما أطلق سراحه، وسافر إلى المشرق، وربما إلى إسبانيا ويقال أنه قتل سنة 67م (5) .
المهم هنا أن هذا القول منه خطأ بيِّن، فيكون كلامه كله مطعوناً فيه، خاصةً وأنه نسب الكلام السابق إلى الله (حيث قال قبله: ((فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب)) .كما أن اعتقاد المجيء السريع للمسيح كان منتشراً بين أناسٍ كثيرين من النصارى في تاريخهم المبكر بعد رفع المسيح (. (1) وفي نهاية القرن الثاني الميلادي ادعت امرأتان اسم احداهما ((بريسكلا)) والأخرى ((ماكسيميلا)) النبوة، وأعلنتا عن قرب نهاية العالم، ورجوع المسيح (وأن بيت المقدس الجديد سوف ينزل على القرية الصغيرة ((بيبوزا)) وأمرتا أتباعهما بالاستعداد لهذا المجيء بالكف عن الزواج، وزيادة أوقات الصيام، والامتناع عن شرب الخمر والأطعمة الشهية، واجتمع جمعٌ غفيرٌ منهم في ((فريجيا)) انتظاراً لرجوع المسيح، حتى إن أسقفاً من سوريا قاد كل أعضاء كنيسته ليقابلوا المسيح في الصحراء، ولكنهم ضلوا الطريق، وكانوا على شفا الموت جوعاً لولا أن أنقذتهم السلطات. (7)
المبحث الثاني: الذين قالوا بمجيئه قبل القيامة وأنه يؤسس مُلكاً على
الأرض مدته ألف سنة
طائفةٌ من النصارى يرون أن المسيح - عليه السلام - سيأتي إلى الأرض، ويؤسس بذلك مُلكاً مدته ألف سنة، يسمون " الألفيين "، وعلى هذا الرأي من المتقدمين: ((جاستن مارتر)) (8) و ((إيريانوس)) ، (9) و ((ترتليان)) (10) .
يقول ((دين الفورد)) : ((إن الكنيسة كلها في الثلاثمائة سنة الأولى من العصر المسيحي تفهم ملك الألف سنة في معناه الواضح، بأنه ملك حرفي على الأرض)) (11) ، وعليه أيضاً ((ناشد حنا)) ، صاحب كتاب ((شرح سفر الرؤيا)) ، وكذلك أخذ به من النصارى من يُسمّون ب ((لأصوليين)) (12) ، وهي فرق انبثقت من "البروتستانت" (13) ،مثل: ((السبتيين)) (14) ، و ((شهود يهوه)) (15) ، و ((المورمون)) (16) .
ومن أقوالهم في هذا: قول صاحب كتاب ((يسوع على الأبواب)) : ((سيأتي المسيح ثانيةً، ويقيد الشيطان ألف سنة، ويؤسس مملكته على الأرض، وسيملك معه القديسون)) (17) .
ويقول ((إبراهيم صبري)) صاحب كتاب ((خطوة خطوة نحو نهاية العالم)) : ((لابد للمسيح أن يعود مرةً ثانيةً ليسترد كرامته التي أُهينت في نفس المكان الذي أهين فيه، فإذا كان قد جاء في المرة الأولى إلى الأرض في صورة الضعف والاتضاع كالحمل الوديع من أجل تحقيق هدفٍ سامٍ هو رفع خطيئة العالم ... فلابد أن يأتي مرةً أخرى إلى الأرض نفسها ... كالأسد لكي يسود ويملك وتوضع أعداؤه موطئاً لقدميه)) (18) .