وبهذا يتبين لنا أن العلاقة وثيقة بين الإيمان والأخلاق في الفرد والمجتمع المسلم، وأن الرابطة الإسلامية والأخوة الإيمانية تزيد كلما التزم أفراد المجتمع بالأخلاق الفاضلة، فالصدق في الحديث والمعاملة والعدل في الحكم والأمانة في جميع الأمور، والوفاء بالعهد والحياء والصبر والحلم والرفق والتعاون على البر والتقوى توجد الثقة والمحبة وتشعر الجميع بالرضى والأمن.
المبحث الخامس: الغاية من الأخلاق الإسلامية
إن الغاية من الالتزام بالأخلاق والفضائل الإسلامية والابتعاد عن الرذائل والأخلاق السيئة هو اكتساب مرضاة الله عز وجل، فإنه سبحانه يحب فعل الخير ويكره فعل الشر، ومن رضي عنه الله سبحانه وتعالى ظفر بسعادة الدارين وعظم أجره وعلت منزلته.
والالتزام بمكارم الأخلاق التي أمر بها الإسلام أو رغب بفعلها فيه تقوية لإرادة الإنسان وتمرينها على حب الخير وفعله والبعد عن الشر وتركه، ويتحقق للمؤمن سعادة القلب بمقدار ما حققه بأفعاله من مرضاة الله سبحانه وتعالى.
وباكتساب مرضاة الله تعالى تتحقق النجاة من الشقاوة التي يجلبها الإنسان لنفسه بفعل السيئات.
فبالالتزام بالخلق والحرص عليها تطهر النفوس وتزكو قال عز وجل: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ((الشمس 10،9) ، وبالأخلاق يسعد الفرد والمجتمع، وتنتشر الفضيلة وتختفي الرذيلة، وبالأخلاق يكثر الخير والصلاح والصالحون، ويقل الفساد وأهله، وبالأخلاق تبقى الأمم وتقوى وترقى، وجماع ذلك كله حصول مرضاة الله سبحانه وتعالى والأمن من عذابه في الدار الآخرة. وهذه هي الغاية العظمى من عناية الإسلام بالأخلاق وحرصه عليها.
ولقد أدرك أعداء المسلمين قيمة الأخلاق الإسلامية في تكوين الأمة المترابطة القوية المتينة، فعملوا على إفساد الأخلاق للمسلمين بكل ما أوتوا من مكر ودهاء وبكل ما أوتوا من وسائل مادية ومعنوية، ليبعثروا قوتهم المتماسكة، وليفتتوا وحدتهم الصلبة التي كانت مثل الجبل الراسخ الصلب قوة، ويزيلوا جمالها وبهجتها التي هي مثل الجنة الوارفة الظلال المثمرة خضرة وبهاءً وثمراً.
إن أعداء المسلمين قد أدركوا وعرفوا أن الأخلاق الإسلامية في أفراد المسلمين تمثل معاقد القوة، فجندوا جنودهم لغزو هذه المعاقل وكسرها بجيوش الفساد والفتنة، وكان غزوهم من عدة جهات، ولقد عرفوا أن النبع الأساسي الذي يزود الإنسان بالأخلاق الإسلامية العظيمة إنما هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والالتزام بشرعه، فصمموا على أن يكسروا مجاري هذا النبع العظيم ويسدوا عيونه، ويقطعوا شرايينه، وعرفوا أن ذلك يتم بدراسة حياتهم وإفساد المفاهيم والأفكار فوجهوا جهودهم لغمس أبناء المسلمين بالانحلال الخلقي بغية إصابتهم بالرذائل الخلقية عن طريق العدوى وسراية الفساد واستمراء الشهوات المرتبطة برذائل الأخلاق، وقد حققوا بعض ما يريدون ولكن جنود الله من الدعاة والمصلحين لهم جهد كبير في الدعوة إلى دين الله ونشر الفضيلة ودحض الرذيلة وصد كيد الأعداء مستعينين بالله عز وجل الذي كتب النصر لأوليائه كما قال تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (] المجادلة 21 [.
وإذا عرف المسلمون الغاية من الأخلاق الإسلامية وأهميتها في حياتهم وتمسكوا بها استطاعوا أن يردوا كيد الأعداء في وجوههم ويحفظوا مجتمعاتهم من الرذيلة، والله الموفق.
المبحث السادس: بعض الأخلاق الإسلامية وأثر الإيمان عليها
الإيمان بالله سبحانه تعالى هو مصدر الأخلاق ومنبعها، فهو الذي يزكي النفوس ويطهرها ويهذب الأخلاق ويحسنها، وله أثر عظيم في التمسك بها والحرص عليها، والبعد عن مساوئ الأخلاق ورذائلها، وقد اخترت جملة من الأخلاق الفاضلة التي رأيت أنها جمعت أصول الأخلاق مع بيان أثر الإيمان عليها، ومنها: