تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عفوًا وعافيةً في الروحِ والجسدِ

أَرْجُوْ وَأَخْشَى وَأَدْعُوْ اللَّهَ مبتغيًا

فقد تنازع ثلاثة عوامل في العمل في لفظ الجلالة (الله) ، وهي أرجو وأخشى وأدعو. ( [96] ) وفي هذه الحال، يجوز أن يكون معمولا لأي منها، إلا أن البصريين يفضّلُون أن يكونَ معمولاً للأخير منها، لقربه، والكوفيون يفضّلون الأول منها، لتقدمه، ونضمر معمولا للآخرين.

وقد تتنازع ثلاثة وقد يكون المتنازع متعددًا، ( [97] ) نحو قوله عليه السلام: ((تسبّحون وتحمدون وتكبّرون دبرَ كل صلاة ثلاثا وثلاثين)) . ( [98] ) " فدبر: ظرف وثلاثا: مفعول مطلق، وهما مطلوبان لكل من العوامل الثلاثة". ( [99] )

" يستنبط من تمثيل ابن هشام بهذا الحديث أمران:

الأول: أن المتنازع فيه قد يكون ظرفًا وقد يكون مفعولا مطلقا، وذلك لأن (دبر كل صلاة)) ظرف، و (ثلاثا وثلاثين) مفعول مطلق مبين للعدد وظاهر إطلاق المؤلف أن التنازع يكون في جميع المعمولات، لكن قال ابن الخباز ( [100] ) : إن التنازع لا يقع في المفعول له ولا في الحال ولا في التمييز ويجوز في المفعول معه، تقول: (قمت وسرت وزيدا) على أنك أعملت الثاني، فإن أعملت الأول قلت: (قمت وسرت وإياه وزيدًا) .

الأمر الثاني: أنه إذا تنازع أكثر من عاملَين أعملت الأخير منها كما في الحديث، فقد أعمل (تحمدون) في لفظ المعمولين، وأعمل العامل الأول والعامل الثاني في ضميريهما، وحذف الضميرين لكونهما فضلتين، ولو أعمل الأول لأعمل الثاني والثالث في ضميريهما ولم يحذف الضميرين فكان يقول: (تسبحون، وتحمدون الله فيه إياه وتكبرون الله فيه إياه) ، ولو أعمل الثاني لأعمل الأول في ضميريهما ثم حذف منه الضميرين لكونهما فضلة، وكان يعمل الثالث في الضميرين ولم يحذفهما، فكان يقول: (تسبحون وتحمدون وتبكرون الله فيه إياه)) فلما لم يقل إحدى العبارتين استدللنا على أنه أعمل الثالث كما قلنا أولا.

وهل يجوز في تنازع أكثر من عاملين إعمال الأول والثاني والثالث أو يتعين إعمال الثالث؟ والجواب عن ذلك أن ابن خروف ( [101] ) زعم أنه استقرأ كلام العرب فوجدهم يعملون الأخير ويلغون ماعداه، ووافقه ابن مالك ( [102] ) على هذه الدعوى، ولكن أثبات الرواة ردوا منهم المرادي ( [103] ) ذلك وقالوا: إنهم عثروا على ما يدل على أن العرب تعمل أول العوامل وتضمر فيما عداه، من ذلك قول أبي الأسود الدؤلي: ( [104] )

أَخٌ لَكَ يُعْطِيْكَ الجَزِيْلَ ونَائِلَهْ

كَسَاكَ وَلَمْ تَسْتَكْسِهِ فَاشْكُرَنْ لَهُ

فههنا ثلاثة عوامل وهي: كساك، ولم تستكس، واشكرن، وقد أعمل أولها فرفع الأخ به، وأضمر في الثاني والثالث، وأظهر هذا الضمير؛ لأنه لا يترتب على إظهاره محظور على ما هو قاعدة الباب". ( [105] )

" والكثير في التنازع الاقتصار على عاملين ومعمول واحد، ولا يعرف في الأساليب القديمة الزيادة لى أربعة عوامل" ( [106] ) . كقول الحماسي: ( [107] )

قعدت ولم أبغِ الندى عند سائبِ

طلبتُ فلم أُدْرِكْ بوجهي وليتني

ولا يكون التنازع في الحال والتمييز؛ لأنهما لا يضمران فإذا قلت (قمتُ وخرجتُ مسرعًا أو تصببت وامتلأتُ عرقا) كان من الحذف للدليل لا من التنازع، ( [108] ) وقال تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ﴾ [يوسف:12] ، (وإنا له لحافظون) : جملة حالية، والعامل الأمر أو الجواب، ولا يكون ذلك من باب الإعمال؛ لأن الحال لا تضمر، والإعمال لابد فيه من الإضمار إذا أعمل الأول. ( [109] )

وكذلك لا تنازع في مجرور حتى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: 6] . (حتى) يصح أن تكون غاية، أي إلى أن يسمع، ويصح أن تكون للتعليل وهي متعلقة ب (أجره) ولا يصح أن يكون من باب التنازع، لكن من ذهب من النحويين إلى أن (حتى) تجر المضمر يجوز عنده أن يكون ذلك من باب التنازع، وكون (حتى) لا تجرّ المضمر هو مذهب الجمهور. ( [110] )

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٢٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٢٦١