الحالة الثالثة: إذا كان مطلوب العامل المهمل منصوبا ليس عمدة أو كان مجرورا وفي تلك الحالة لا يخلو: إما أن يكونَ العامل المهمل هو الأول أو الثاني، فإن كان المهمل هو الأول: لم يجز فيه الإضمار، بل يحذف منه الضمير فتقول: (أَكْرَمْتُ وأكَرَمَنِيْ خالد، ومررت ومرّ بي خالد) ، بحذف الضمير المنصوب والمجرور من الأول، ولا يجوز ذكره، فلا تقول: (أكرمته وأكرمني خالدٌ، ولا مررت به ومرّ بي خالد) ؛ لأنه فضلة يستغنى عنه فيحذف ولا داعي لإضماره أولا. ( [89] ) وقد جاء في الشعر ذكر الضمير المنصوب أولا، كقول الشاعر: ( [90] )
جِهَارًا فَكُنْ فِيْ الغَيْبِ أَحْفَظَ للعهدِ
إِذَا كُنْتَ تُرْضِيْهِ ويُرْضِيْكَ صاحبٌ
يُحَاوِلُ وَاشٍ غَيْرَ هِجْرَانِ ذِيْ وُدِّ
وَأَلْغِ أَحَادِيْثَ الوُشَاةِ؛ فَقَلَّمَا
والشاهد: (ترضيه ويرضيك) ؛ فالأول يطلب (صاحب) مفعولا به والثاني يطلبه فاعله، فأعمل الثاني. ولم يحذف من الأول ضميره مع أنه فضلة، والقياس حذفه من الأول، فتقول: (ترضي ويرضيك) .
وإن كان العامل المهمل هو الثاني وجب الإضمار، أي: ذكر ضمير المنصوب أو المجرور، فتقول: (أكرمني وأكرمته خالد، ومرّ بي ومررت به خالد) ، ولا يجوز حذف الضمير في الثاني، فلا تقول: (أكرمني وأكرمت خالدٌ، ولا مرّ بي ومررت خالدٌ) . ( [91] ) وقد جاء في الشعر حذف الضمير في العامل الثاني، كقول عاتكة بنت عبد المطلب: ( [92] )
- إذا هُمُ لَمَحُوْا - شُعَاعُهْ
بِعُكَاظَ يُعْشِي النَاظِريْن
ف (يعشي) يطلب (شعاعه) فاعلاً، ولمحوا يطلبه مفعولاً به، وقد أعمل الأول ولم يذكر ضميرًا في الثاني، مع أنه حقه الذكر، والقياس: أن يقول: لمحوه لكنه ترك الإضمار شذوذا.
وجوب الإظهار في العامل المهمل بدل الإضمار:
" يجب أن يؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهرًا إذا لزم من إضماره عدم مطابقته لما يفسّره، لكونه خبرًا في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبرا عن مفرد ومفسِّره مثنى، نحو: " أظنّ ويظناني زيدًا وعمرا أَخَوَيْن" ف (زيدا مفعول أول لأظن و (عمرا) معطوف عليه، و (أخوين) مفعول به ثانٍ لأظن، والياء مفعول أول ليظنان، فيحتاج إلى مفعول به ثانٍ، فلو أتيت به ضميرًا فقلت: (أظن ويظناني إياه زيدًا أخوين) فكان (إياه) مطابقا للياء في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين) ؛ لأنه مفرد، و (أخوَين) مثنى، فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر وذلك لا يجوز، وإن قلت: (أظن ويظناني إياهما زيدا وعمرا أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لكون (إياهما) مثنى وأخوين كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني الذي هو خبر في الأصل للمفعول الأول الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفردا وهو الياء، والمفعول الثاني غير المفرد وهو (إياهما) ولابد من مطابقة الخبر للمبتدإ، فلما تعذرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار، فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيدًا وعمراً أخوَين)
ف (زيدًا وعمرا أخوين) مفعولا أظن، والياء مفعول يظنان الأول، و (أخا) مفعوله الثاني.
وقد خرجت هذه المسألة من باب التنازع؛ لأن كلا من العاملَين عمل في ظاهر، وهذا مذهب البصريين. وأجاز الكوفيون الإضمار مراعى به جانب المخبر عنه، فتقول: (أظن ويظناني إياه زيدًا وعمرًا أخوَين) وأجاز أيضا الحذف، فتقول: (أظن ويظناني زيدًا وعمرا أخوين) ". ( [93] )
تعدد العامل والمعمول في أسلوب التنازع:
" ليس من اللازم الاقتصار في أسلوب التنازع على عاملَين متقدمَين ولا على معمول واحد ظاهر بعدهما؛ فقد يقتضي الأمر " أن يتنازع العاملان أكثرَ من معمول، نحو (ضربتُ وأهنتُ زيدًا يومَ الخميس) . وقد تكون العوامل ثلاثة متقدمة من غير أن يتعدد المعمول، نحو: (يجلس ويسمع ويكتب المتعلم) . ( [94] ) ومنه قول الشاعر: ( [95] )