والذين اشترطوا الحرية قالوا لأن العبد وقته لسيده وبذلك فليس له أن يحتسب إلا بإذنه، والصحيح أنه مسلم يمكنه أن يأمر وينهي في حدود استطاعته وقدرته ولا يعفيه الرق من هذا الواجب الإسلامي الجليل.
خامساً: آداب المحتسب:
لابد للمحتسب من أن يتحلى بآداب ذاتية تجعل منه نموذجاً يمثل الإسلام في أبهى وأحسن صورة ليكون ذلك أدعى للآخرين لامتثال أمره ونهيه والاقتداء بفعله وآداب المحتسب التي نريد أن نثبتها هنا تنقسم إلى قسمين أولهما ذاتية يحققها في نفسه وآداب مع الآخرين تظهر عند احتسابه عليهم.
أ. الآداب الذاتية:
(1) الإخلاص.
(2) التقوى.
(3) أن يعمل بما يقول ولا يكون قوله مخالفاً لفعله.
(4) المواظبة على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
(5) التحلي بالصبر فهو عدة عظيمة لمهمته وسلاح يحتاج له لإنجازها.
(6) عليه أن يكون حذراً فطناً لا ينخدع بحيل المستهترين وألاعيب العابثين.
(7) عليه أن يكون على وعي بعلم الواقع وثقافة العصر الذي يعيشه.
ب. آدابه مع الآخرين:
(1) الرفق واللين في القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره ونهيه.
(2) الحلم والأناة وعدم تعجل العقوبة.
(3) أن يتعامل مع الناس بالصدق والأمانة وعدم الخيانة.
(4) محاولة تقليل علائقه عند الآخرين حتى لا تؤثر على عمله.
(5) أن يكون باعثه العطف والشفقة على المعاصي (لأنه (أي - المحتسب – بمثابة الطبيب) .
سادساً: شروط إنكار المنكر:
بقدر حرص المحتسب على تغيير المنكر، وإزالته، فإن ذلك لا يكون سبباً كافياً لوقوعه فيما يبطل إحتسابه. لأن لكل منكر ضوابط ومعايير تسمى شروط إنكار المنكر، ومن أبرزها ما يلي:
أ - وجود منكر يستدعي الإحتساب. وضابطه الوجود (أي يكون منكراً ظاهراً دون الحاجة إلى الإجتهاد، فكل ما هو محل للإجتهاد لا محل فيه للإنكار على سبيل الإلزام.
ب - أن يكون المنكر المحتسب فيه محذور الوقوع في الشرع. لأن المعروف ما جعله الشرع معروفاً، والمنكر ما جعله الشرع منكراً.
ج - أن يكون المنكر قد وقع فعلاً أو ظهرت العزيمة على فعله، والمنكر الذي وقع لابد أن تتجمع لدى المحتسب المكلف أدلة كافية ومنها الظهور، إذ بدون الظهور يوقع المحتسب نفسه في محذور شرعي آخر هو التجسس وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه كتاب الله) (68) . والظهور ظهوران؛ ظهور حقيقي ومثاله رجل خلى بآخر ليقتله، وظهور حكمي ومثاله تتبع مرتكب الجريمة بعد خروجه مباشرة من مكان وقوعها.
د - أن يدفع المنكر المحتسب فيه بأيسر منه فإذا كان يدفع بأشد ترك الإحتساب.
سابعاً: خطوات إنكار المنكر:
اتفاق شبه تام بين الفقهاء الذين استنبطوا أحكام الحسبة وخطوات إنكار المنكر فهم يرون أن على المحتسب أن يأخذ الأمر خطوة خطوة، فلا يثبت على أول خطوة يبدأها في الإنكار ولا يقفز إلى آخر خطوة يستدعي الأمر الوصول إليها، فهو لا يحاسب ويعاقب لأول زلة تبدو من المحتسب عليه، لأن العصمة في الخلق مفقودة إلا من عصمه الله كالأنبياء والرسل. ومن هذا المنطلق وجب على المحتسب أن يسلك طريقاً اتفق على تسميته مراتب الإحتساب أو خطوات إنكار المنكر وهي على النحو التالي:
أ - التعريف بالمنكر وأنه محذور الوقوع في الشرع.
ب - الوعظ بما يهز النفوس ويبعد عن الإثم بأسلوب الترغيب والترهيب.
ج - الزجر والتأنيب بالقول، والشدة في التهديد، وهجن الخطاب، وهذا في حق من لم تنفع معه الخطوتان السابقتان.
د - إذا لم تنفع الخطوات السابقة ينتقل إلى مرحلة أقوى وهي إزالة المنكر بالقوة حيث من شأن هذه الخطوة أن تحول بين الفاعل وما يريد ارتكابه من منكر كإراقة الخمر لمن يريد شربه.
هـ - إيقاع العقوبة التي هدد بها المحتسب وهذه الخطوة ليست لكل المحتسبين وإنما هي للمحتسب المكلف (القائد) وليست لكل محتسب لا يملك صلاحية إيقاع العقوبة. لكن عليه الرفع لمن يستطيع إيقاع تلك العقوبة على فاعل المنكر.