ثامناً: مراتب تغيير المنكر:
هذه المراتب مدارها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (69) ، وهذه المراتب كما لاحظنا تختلف عن الخطوات السابقة فالخطوات تبدأ من الأخف للأشد بينما المراتب تبدأ من الأشد للأخف. كذلك فالتغيير فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين بينما الإنكار فرض عين، ومن الفروق بينهما أيضاً أن التغيير يحتاج إلى قوة، بينما الإنكار لا يحتاج إلى تلك القوة، ومن الفروق أيضاً أن الخطوات تكون قبل وقوع المنكر بينما مراتب تغيير المنكر تكون أثناء الوقوع في المنكر وبعده
تاسعاً: شروط وضوابط التغيير بالقلب:
عرفنا في مراتب تغيير المنكر بأنها تبدأ بالقوة، ثم اللسان وهي أخف، ثم تنتهي للتغيير بالقلب، وقد يعجز بعض الناس عن القيام بما تتطلبه المرتبتين الأولى والثانية لأسباب كثيرة ولكنه لا يعجز أحد مهما كان ضعفه من الإنكار بالقلب ومن ثم التغيير بواسطة هذه المرتبة سيما إذا تحسس المسلم الضوابط والشروط التي يجب أن يتحلى بها المُغيِّر بهذه المرتبة. إذ أن التغيير كما جاء في نص الحديث يقتضي الوجوب حسب الإستطاعة لكن لم يُستثنى أحد من هذا الوجوب. وبعض الناس تراه يرى المنكر أو يجالس أهله ولا يغير فتقول له لماذا لم تُغير المنكر؟ قال لا أستطيع ولكن أنكرته بقلبي !! أي أنه يدعي أنه انتقل إلى المرتبة الأخف في التغيير. قلنا له ما رأينا شيئاً من ضوابط هذا التغيير بالقلب؟ قال وما هي تلك الضوابط؟ قلنا له الآتي:
أ - تغيير ملامح الوجه: فإن من اغتاظ من أمر بدت علائم الغضب على وجهه وبما يشعر من حوله أنه غاضب ومستاء حتى ولو لم يتكلم.
ب - كثرة الحركة في المكان، وتوالي الزفرات: فهذا أيضاً يشعر صاحب المنكر الذي تجالسه ولا تستطيع أن تكلمه لشره أو لكونه رئيساً كبيراً وتخافه بأنك منكر لما يفعل ويقوم به.
ج - مفارقة المكان: وهذا أقل وأسهل ما يمكن أن يفعله المنكر بالقلب وهو في متناول كل أحد يقول الحق تبارك وتعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره … الآية) (70) .
وفي ختام هذا الفصل أود القول بأن النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كفيل بأن يصور للمحتسب كل هذه الأحكام المتعلقة بالحسبة في مواقف عملية حدثت في حياته عليه الصلاة والسلام.
الخاتمة:
لاشك أن كل أمة تعمل جاهدة عل تحقيق عزها ومجدها والأمة التي تتكون من مجموعات ومؤسسات وقطاعات وولايات يقود كل منها قائد تريد من هذا القائد أن يحقق أهدافها من خلال تبصره لمتطلبات قيادته وعمله بإخلاص وتفان في ذلك.
والقائد الذي يعد إعداداً صحيحا هو الذي يحقق لأمته عزها ومجدها بل وسؤددها , وما أحوج أمة الإسلام اليوم إلى وجود مثل هؤلاء القادة الذين ينشأون وهم على وعي تام بأهداف أمتهم ورسالتها بما يؤدي إلى نجاحهم وهذا ما نتمناه لأمة الأسلام التي تحمل أمانة هذا الدين العظيم وإبلاغه للناس وتحقيق عبودية العباد لربهم وهذا يتحقق بإذن الله تعالى بالتربية بالقدوة التي بها انتشر الإسلام وتخرج القادة من مدرسة النبوة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) وفي هذا البحث المقتضب حاولت مجتهدا أن أبرز تلك الأهمية لواحدة من أهم وأنجح وسائل التربية ألا وهي القدوة التي تخرج بها قادة الأمة ونشر بها الإسلام في أصقاع المعمورة.
أهم نتائج البحث:
إن البحث فيما يتعلق بالقدوة وإعدادها هو من البحوث التي يصعب الإتيان على كل ما يتعلق بها وما ذاك إلا لأهمية الموضوع ودقة وحاجة الباحث فيه إلى تجارب تثريه وهذا مالا يتوفر لكل أحد 0