فكيف يمكن أن تتصور مجتمعاً ضاع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشرت فيه المنكرات؟ إنه مجتمع لا يمكن أن تنتظم الحياة فيه، ويأمن فيه المسلم على ضروراته الخمس؛ الدين، العرض، النفس، المال، العقل.
ولذلك نرى أن أمة من الأمم قد فضلها الله يوم أن كان هذا الأمر قائماً فيها، فلما اندثر فيها مقَتَها الله ولعنها (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (58) .
والحسبة نوع من أنواع التكافل الإجتماعي ألم يقل الحق سبحانه وتعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله) (59) .
بل عدَّه ابن تيمية (بأنه القطب الأعظم في الدين الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمَّت وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد) (60) .
ونختم استعراض هذه الأهمية بذكر ذلك المثال الرائع الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُبين فيه مدى خطورة ضياع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مجتمع فهو يقول (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذي من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجواونجوا جميعاً) (61) .
ولأهمية الحسبة وشرف منزلتها في الإسلام فإنه كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها (62) .
وانطلاقاً من هذه الأهمية للحسبة فإن تعلما ومعرفة أحكامها وفقهها لا يقل أهمية عن ما نوهنا عنه اعلاه (فالاحتساب من أدق العلوم وأسماها، ولا يدركه ويقوم به إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب، ولا تسند ولايته إلا لمن له قدرة قدسية مجردة عن الميل والهوى) (63) . واكتملت في حقه الشروط والآداب التي قررها الفقهاء والتي يأتي بيانها.
ثالثاً: تعريف المحتسب:
كما مر معنا في تعريف الحسبة من أنه قد تعددت تعاريفها فإن تعريف المحتسب أيضاً قد تعددت تعاريفه وسأختار أحدها ثم أناقشه.
(فالمحتسب مسلم يسعى لتغيير المنكر وإقامة المعروف وفقاً لمنهج الشريعة إمتثالاً لأمر الله وطلباً لثوابه متولياً ومتطوعاً) (64) ، ففي قولي (مسلماً) أعني أن غير المسلم لا يعتبر عمله وإن كان تغييراً للمنكر حسبة، لأن من أول شروط المحتسب كما سيأتي أن يكون مسلماً، ولأن دافع المسلم في تغيير المنكر وإقامة المعروف غير دافع الكافر، فالأول دافعه تعبدي بخلاف الثاني. وقولي (وفقاً لمنهج الله) قيد لئلا يتجاوز المحتسب وهو يؤدي واجبه، ما أمر به الشرع ونهى عنه، وأما قولي (إمتثالاً لأمر الله) فلأننا عرفنا فيما تقدم أن القيام بالحسبة واجب على المسلم يؤديه مع غيره، وأما قولي (وطلباً لثوابه فإنه مر معنا في تعريف الحسبة لغوياً أن المسلم يقوم بذلك ويرجو عليه الثواب من الله، وأما قولي (متولياً أو متطوعاً) فحتى لا يفهم أن الحسبة لا تكون إلا من المكلف من قبل ولي الأمر كما فهمه بعض من عَّرف الحسبة، مما لم نستعرض تعريفه، فإذا كان الذي يُعِّرف الفاعل للعمل هو العمل نفسه فالمكلف والمتطوع في ذلك سواء.
رابعاً: شروط المحتسب:
حتى ينهض المحتسب بعمله على الوجه الذي يرضي فلابد من توفر مستلزمات في نفسه أولها وأهمها توفر شروطاً معينة بذل الفقهاء جهوداً مشكورة في تحديدها.
والشروط التي حددها الفقهاء للمحتسب على ضربين؛ شروط متفق عليها وأخرى مختلف فيها.
أ. الشروط المتفق عليها.