تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا فالوجوب في حق القائد جاء من جهتين الأولى كونه مسلماً، والثانية كونه مسئولاً، فأصبح بالثانية محتسباً مكلفاً يترتب عليه من الوجوب ما لا يترتب على المحتسب المتطوع.

فإذا علم هذا فإن الأمر يحتاج إلى أن نزود القائد القدوة المحتسب بشيء من فقه الحسبة، حتى يكون أداءه مميزاً وعمله منضبطاً بضوابط الشرع. وما سنثبته هنا تعريف الحسبة والمحتسب حتى نُكون مفهوماً وإطاراً عاماً لهذا العمل ومن يقوم به، ثم نحاول أن نبين طرفاً من أهمية الحسبة وبعدها. نتعرف على الشروط الواجب توفرها في المحتسب وكذا الآداب ومن ثم نحدد شروط إنكار المنكر، وخطوات إنكار المنكر، ومراتب تغيير المنكر، وآخر ذلك نتلمس ضوابط إنكار المنكر بالقلب، محاولين أن تكون كل هذه في نقاط مختصرة وعلى من أراد التوسع في ذلك العودة لكتاب الحسبة في الماضي والحاضر بين ثبات الأهداف وتطور الأسلوب) المجلد الأول للباحث، وهذا استعراض موجز لتلك الأحكام في الكتاب نفسه:

أولاً: تعريف الحسبة:

في اللغة يقول ابن منظور في لسان العرب (الحسبة مصدر احتسابك الأجر على الله) (52) .وتعاريفها واشتقاقها كثيرة يجمع بينهما هذا التعريف: (الحسبة لغة من احتساب الأجر عند الله على العمل،وطلب ثوابه، بإنكار المنكر والأمر بالمعروف في حسن تدبير ونظر) (53) .

وأما تعريفها في الاصطلاح فكما جاء في كتاب (الحسبة في الماضي والحاضر) وهي من أكثر المصطلحات إن لم تكن أكثرها على الإطلاق، التي اختلف في معناها وتعددت تعاريفها، وذلك في الغالب ناشئ عن اختلاف الأفهام والنظرة للدور الذي يقوم به المكلف بها داخل المجتمع، ولكن سأحاول أن أثبت هنا أشهر تعريفين لهذا المصطلح حسب ما أراه؛ أولهما تعريف الماوردي في كتابه القَيم (الأحكام السلطانية) (54) حيث يقول (الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي المنكر إذا ظهر فعله) .

وثانيهما تعريف آخر أحسبه جامعاً مانعاً للحسبة وهو (الحسبة عمل يقوم به المسلم لتغيير منكر ظاهر أو أمر بمعروف داثر من خلال ولاية رسمية أو جهود تطوعية، وعلى المكلف بها ما ليس على المتطوع) (55) .

وفدلكة ومحترزات هذا التعريف تتمثل في أنه يعطي صورة واضحة وشمولية للحسبة وأنها فريضة إسلامية عينية، أو كفائية على حسب حال المتولي لها مكلفاً أو متطوعاً فهي عينية في حق المكلف كالمعنى معنا في هذا البحث وهو (القائد) وكفائية في حق التطوع كما قرر ذلك الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية بقوله (إن فرضه (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) متعين على المحتسب (الوالي) بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل فروض الكفاية) (56) .

كما أنه قد روعي في هذا التعريف أن يشتمل على ما يقوم به المحتسب للوالي والمتطوع وأنه (أي الاحتساب) عمل لا يسمى حسبة إلا إذا أتى من المسلم، ولو جاء من غيره فلا يسمى حسبة وإن وافق صورته، ولم يغفل فيه تلك الضوابط والقيود التي قررها الفقهاء من قبل، كقيود ظهور المنكر وترك المعروف ثم أشير في نهاية التعريف إلى أن هناك فرقاً بين احتساب كل من المكلف والمتطوع وبهذا كان هذا التعريف في نظري جامعاً مانعاً.

ثانياً: أهمية الحسبة:

إن قيام الحسبة في أي مجتمع كان هي بمثابة صِمَام أمان لذلك المجتمع، أو هي بمثابة جهاز صيانة دائمة في أوساط المجتمع، تحول بين أفراد ذلك المجتمع وبين الوقوع في مخالفة الشرع. فالحسبة بمفهومها الشمولي العام لا غنى عنها لأمة أو مجتمع يريد أن يطبق منهج الله في أرضه فبقيامها تحصل له الخيرية الواردة في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر … الآية) (57) .

ولا أبالغ إذا قلت بأن نظام الحسبة الذي هو نظام إسلامي أصيل وهو الوجه العملي التطبيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لحُمة هذا الدين (الإسلام) ، بل الشريان الذي تسري من خلاله الأخوة الإسلامية، والمودة، والتراحم، والترابط الذي يجب أن يتم بين الأمة أفراداً وجماعات.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢١٥٠