والقدوة الذي يعد إعداداً عقيدياً ليقوم بالدعوة إلى الله يعتبر ربانياً لأنه يعلم الناس الخير يقول الله تعالى في ذلك (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) (42) .
وقد اختلف العلماء حول هذه النسبة فبعض العلماء قال سموا بذلك لأنهم يربون العلم (أي يقومون به) وزيدت الألف والنون للمبالغة (43) .
في حين أن البعض يقول أن تلك النسبة إلى الرب فيقال هو رباني لأنه يقصد تنفيذ ما أمره الله به من العلم والعمل.
فإذن القدوة بتلقيه العلم ثم بتعليمه للناس يكون ربانياً وهذه منزلة شريفة لا ينالها إلا إذا كان عالماً ومعلماً للخير. ولذلك اهتم الإسلام بأمر العلم اهتماماً كبيراً ورغب فيه ترغيباً عظيماً دل كل ذلك على أهميته وضرورته ويكفي في الدلالة على ذلك أن أول آية أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت دعوة إلى العلم (إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم … الآية) (44) .
والنصوص التي جاءت تحث على تحصيل العلم كثيرة جداً، يكفي أن أحد الباحثين قام بإحصاء تلك الآيات التي تلفت أنظار الناس إلى أسرار الكون وتحثهم على استجلاء غامضها فبلغت خمس القرآن (45) .
أما حامل العلم فمنزلته في الإسلام رفيعة والنصوص التي جاءت تبين ذلك كثيرة جداً ويكفينا أن نثبت هنا قليلاً منها؛ أولها أن الله رفعهم بقوله (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط) ، ويقول سبحانه:
(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (46) ، ويقول (العلماء ورثة الأنبياء) ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.
والآثار أيضاً في فضله كثيرة أكثر من أن نستقصيها هنا لعل من أبرزها قول عبد الله بن المبارك رحمه الله عندما سئل (فقيل له: من الناس؟ قال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين) . قال الغزالي (حجة الإسلام) تعليقاً على هذا القول من ابن المبارك، قال: (فلم يجعل (يعني ابن المبارك) غير العالم من الناس، لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم. فالإنسان بما هو شريف لأجله؛ فليس ذلك بقوة شخصيته فالجمل أقوى منه، ولا بعظم خلقته فالفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فالسباع أشجع منه، ولا بأكله فالثور أوسع بطناً منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم) (47)
ومن كل ما تقدم وغيره كثير، يتبين لنا مدى أهمية هذا السلاح للقدوة في أي موقع كان من مواقع الحياة قائداً أو غير قائد.
ولكن القائد حاجته لهذا السلاح كبيرة لأنه محتسب للخير والعمل به بين أفراده يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر حتى يوفي بمسئوليته التي استرعاه الله إياها (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته …) (48) .
القائد محتسب مكلف:
قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس أن القيام بالاحتساب الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعين على فئات من المجتمع دون أخرى، وهذا فهم لاشك بأنه قاصر. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فريضة لا تسقط إلا بالأداء، والمسلم مطلوب منه أن يقوم بهذا الواجب على حسب علمه وقدرته وفي شأن هذا الوجوب يقول الحق تبارك وتعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (49) . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (50) والوجوب في هذين النصين هو وجوب عيني لا كفائي ولا يسقط إلا بالأداء لأن (من) في النصين السابقين هي للبيان وليست للتبعيض كما يقول أهل اللغة (51) .