وعلا الشيء عُلوّاً فهو عَليّ، وتَعلَّى.
والأعلى: هو الله سبحانه، وهي صفته، والعَلياء: (السماء) اسم لها. والعلو: ارتفاع أصل البناء. و ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي عِلّيِّين﴾ أي: في أعلى الأمكنة.
وعليّ: اسم، فإما أن يكون مِن القوة، وإما أن يكون مِن علا يَعلو (6) .
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ [آل عمران 139] قال القرطبي في هذه الآية: بيان لفضل هذه الأمّة؛ لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءَه؛ لأنّه قال لِموسى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ ، وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْن﴾ (7) .
فالمؤمن هو (الأعلى) ، ودينه الإسلام يعلو ولا يُعلى.
والمعاني اللغوية تتناسب مع المعنى الشرعي لهذه القاعدة؛ لأنّ المؤمن قويٌّ بإيمانه، فلا يهن ولا يحزن؛ لأنّه هو الأعلى، فدينه الإسلام، وهو للناسِ كافة، ختم الله به الرسالات، ولا يقبل ديناً سواه، وقد شرّف الله به المسلم، إذْ أوجبَ عليه التحاكم إليه؛ لشرف هذا المنهج، ولأنه دين الفطرة. ومِن شرف المسلم أنّ اللهَ جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين والكافرين والمشركين لا يعلمون، وكل هذه المعاني المتضمنة في هذه القاعدة تنبني عليها فروع تطبيقية كما سيأتي معنا في المباحث التالية بإذن الله.
المبحث الثاني: عزو القاعدة وتوثيقها
نصَّ على هذه القاعدة جمال الدين بن عبد الهادي (8) ، فقال:
(القاعدة الثلاثون: الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) (9) .
وذكرها من المعاصرين الشيخ محمد صدقي البورنو فقال:
(القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المائتين: الإسلام يعلو ولا يُعلَى) (10) .
وهذه القاعدة علّل بها بعض فقهاء الصحابة والتابعين؛ فقد روى ابن حزمٍ بسنده عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في اليهودية أو النصرانية تُسلم تحت اليهودي أو النصراني قال: (يُفرَّق بينهما؛ الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) (11) .
قال ابن حزم: (وبه يفتي حمّاد بن زيد (12)) (13) .
فظاهر ما رواه ابن حزم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه علل بالمعنى الذي تضمنته هذه القاعدة، وكذا ما نقله ابن حزم عن حماد بن زيد ظاهره أنه كذلك.
وقد اعتبر أصحاب المذاهب الفقهية هذه القاعدة في علل الأحكام الشرعية:
1- قال السرخسي (14) - معلّلاً بهذه القاعدة -: (إذا أسلمَ أحد الزوجين فإنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلى عليه، فلا يكون اعتقاد الآخر معارضاً لإسلام المسلم منهما) (15) .
وقال ابن عابدين (16) : (إذا أسلمَ أحدُ الزوجين يفرّق بينهما؛ لأنّه بإسلام أحدهما ظهرت حرمة الآخر؛ لتغير اعتقاده، واعتقاد المصرّ لا يعارض إسلام المسلم؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى) (17) .
2- وقال القرافي (18) : (وكره مالك تعليم المسلم عند الكفار كتابهم؛ لأنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلَى عليه) (19) .
3- وقال الشيرازي (20) : (وإذا أسلمَ أحدهما - أي: أحد الأبوين - والولد حَمْلٌ تبعهُ في الإسلام؛ لأنّه لا يصحّ إسلامه بنفسه، فتبع المسلم منهما؛ لأنّ الإسلام أعلى، فكان إلحاقه بالمسلم منهما أَولى) (21) .
وقال ابن حجر الهيتمي (22) : (ويحكم بإسلام اللقيط (23) إذا كان من أبوين كافرَين ثم أسلم أحدهما؛ لأنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلَى) (24) .
4- وقال ابن قدامة (25) : (الولد يتبع أبويه في الدين، فإذا اختلفا وجبَ أن يتبع المسلم منهما، كولد المسلم من الكتابية، ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى..) (26) .
وقال الشيخ منصور بن يونسف البهوتي (27) : (واللقيط مسلم إذا وُجد في دار الإسلام؛ لظاهر الدار، وتغليب الإسلام، فإنه يعلو ولا يُعلى عليه..) (28) .
5- ونقل ابن حزم تعليل ابن عباس بهذا المعنى الذي تضمنته هذه القاعدة، واستفاد من ذلك في فروعٍ كثيرةٍ سيأتي ذِكرها - إن شاء الله تعالى - (29) .