وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفصح الناس وأبلغهم وأخطبهم. وقد أعطاه مولاه جوامع الكلم يبين هذا ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: بعثت بجوامع الكلم ( [76] ) .
إن فصاحته - صلى الله عليه وسلم - في ذروة الكمال، بُعد عن التكلف في القول، جزالة في اللفظ وضوح في الدلالة، دقة في الوصف والتعبير، ابداع في التشبيه والتصوير، إيجاز في القول، مطابقة لمقتضى الحال، وكان لحركته وإشارته أثر كبير في إثارة الانتباه وتنبيه الغافل، وهي تعين على الحفظ فمن ذلك أنه ذكر القلب، فأشار إلى صدره الشريف وقال: التقوى هاهنا. وذكر فضل كافل اليتيم. فقرن بين السبابة والوسطى وفرق بينهما، إن خطبه - صلى الله عليه وسلم - تلامس شغاف القلب وتؤثر فيه تأثيراً عظيماً.
ومنه - صلى الله عليه وسلم - تعلم الصحابة - رضوان الله عليهم - فنون الخطابة ولقد بلغت الخطابة زمن الخلفاء الراشدين المكانة المرموقة، فكان الخلفاء خطباء يخطبون الناس في الجمع والأعياد ويخطبون في الجيوش ويوجهون القادة وكانت خطبهم اقتباساً من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة فاكتسبت بذلك قوة التأثير، ووصلت إلى شغاف القلوب، وكانت تقوم على الحقائق الملموسة والمسائل الواقعية، والأمثلة على ذلك كثيرة منها.
الأمثلة:
1 - أخرج أبو داود بسنده عن قيس: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه قال: وُلّيتُ أمركم ولست بخيركم. فإن أنا أحسنت فأعينوني. وإن أنا أسأت فسددوني وإن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا اوثر في أجسادكم ولا أبشاركم ( [77] ) .
2 - أخرج أبو داود بسنده عن قبيعة بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بصالح الاخوان، أكثر اكتسابهم. فإنهم زين في الرخاء، وعدة عند البلاء، ولا تسأل عما لم يكن حتى يكون. فإن في ما كان منعه عن ما لم يكن، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله، وذل عند الطاعة. واستغفر عند المعصية. ولا تستعن على حاجتك إلا من يحب نجاحها. ولا تستشر إلا الذين يخافون الله. ولا تصحب الفاجر فتعلم من فجوره وتخشع عند القبور ( [78] ) .
3 - أخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: ألا انبئكم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم مكر الله. ولم يترك القرآن إلى غيره. ألا لا خير في عبادة ليس فيها الفقه. ولا خير في فقه ليس فيه تفهم. ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر ( [79] ) .
4 - أخرج أبو داود بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله - يعني ابن مسعود رضي الله عنه - ثلاث حقاً على الله أن يفعلهن بالعبد، يأتيه عبد لا يشرك به شيئاً فيكله إلى غيره، ولا يجعل من لهم سهم في الإسلام كمن لا سهم له. ولا يحب رجل قوماً إلا حشره الله معهم يوم القيامة، والرابعة أرجو أن يكون نفعاً لا يستر الله عبداً في الدنيا إلا ستره في الآخرة ( [80] ) .
5 - أخرج أبو داود بسنده عن علي بن حوشب عن أبيه أنه سمع أبا الدرداء رضي الله عنه على المنبر يخطب الناس وهو يقول: إني لخائف يوم ينادي مناد فيقول: يا عويمر. فأقول: لبيك رب لبيك. فيقول: أما علمت؟ فأقول: نعم. فيقال: كيف عملت فيما علمت؟ فتأتيني كل آية من كتاب الله زاجرة أو آمرة فتسألني فريضتها فتشهد علي الآمرة بأني لم أفعل. وتشهد علي الزاجرة بأني لم أنته. أو اترك؟ فأعوذ بالله من قلب لا يخشع، ومن عقل لا ينفع، ومن صوت لا يسمع. وأعوذ بالله من دعاء لا يجاب ( [81] ) .