تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه النصوص من التوراة والإنجيل تفيد أن حلول الروح القدس ليس خاصاً بالمسيح عليه السلام ولا بمن يزعم النصارى أنه يلهمهم ويحل عليهم (251) ، وإنما الروح هو الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده، وهذا دليل على أن الروح ليس إلهاً كما يعتقد النصارى، وإنما هو ملاك من ملائكة الله، وهو جبريل عليه السلام.

3. كما جاء في القرآن الكريم ما يصدق ما جاء في الكتب الإلهية السابقة عن حقيقة الروح القدس، وصفاته، والأعمال الموكولة إليه كما سبق الاستشهاد بهذه الآيات في مواضع سابقة (252) ، كما ثبت في السنة النبوية، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لحسان بن ثابت: ((إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه)) (253) ، وقوله: ((اللهم أيده بروح القدس)) (254) ، ويستشهد ابن تيمية رحمه الله في هذا الحديث على عدم خصوصية المسيح بتأييد الروح القدس له دون سواه، فيقول: ((فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين لما نافح عن الله ورسوله، وهجا المشركين الذين يكذبون الرسول أيده الله بروح القدس وهو جبريل عليه السلام، وأهل الأرض يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل اللاهوت متحداً بناسوت حسان بن ثابت، فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت، فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح، وأهل الكتاب يقرون بذلك، وأن غيره من الأنبياء كان مؤيداً بروح القدس، كداود وغيره، بل يقولون: إن الحواريين كانت فيهم روح القدس، وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح، بل في غير الأنبياء)) (255) .

كما بين ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر قول داود عليه السلام:

((وروح قدسك لا تنزعه مني)) (256) ، عدم خصوصية الروح القدس بالمسيح عليه السلام فقال: ((هذا دليل على أن روح القدس التي كانت في المسيح من هذا الجنس، فعلم بذلك أن روح القدس لا تختص بالمسيح، وهم يسلمون ذلك، فإن ما في الكتب التي بأيديهم في غير موضع أن روح القدس حلت في غير المسيح، في داود، وفي الحواريين، وفي غيرهم، وحينئذٍ فإن كان روح القدس هو حياة الله، ومن حلت فيه يكون لاهوتاً، لزم أن يكون إلهاً، لزم أن يكون كل هؤلاء فيهم لاهوت وناسوت كالمسيح، وهذا خلاف إجماع المسلمين والنصارى واليهود، ويلزم من ذلك أن يكون المسيح فيه لاهوتان: الكلمة، وروح القدس، فيكون المسيح من الناسوت: أقنومين أقنوم الكلمة، وأقنوم روح القدس، وأيضاً فإن هذه ليست صفة لله قائمة به، فإن صفة الله القائمة به، بل وصفة كل موصوف لا تفارقه وتقوم بغيره، وليس في هذا أن الله اسمه روح القدس، ولا أن حياته اسمها روح القدس، ولا أن روح القدس الذي تجسد منه المسيح، ومن مريم هو حياة الله سبحانه وتعالى، وأنتم قلتم: إنَّا معاشر النصارى لم نسمه بهذه الأسماء من ذات أنفسنا، ولكن الله سمى لاهوته بها، وليس فيما ذكرتموه عن الأنبياء أن الله سمى نفسه، ولا شيئاً من صفاته روح القدس، ولاسمى نفسه ولا شيئاً من صفاته ابناً، فبطل تسميتكم لصفته التي هي الحياة بروح القدس، ولصفته التي هي العلم بالابن. وأيضاً فأنتم تزعمون أن المسيح مختص بالكلمة والروح، فإذا كانت روح القدس في داود عليه السلام والحواريين وغيرهم بطل ما خصصتم به المسيح، وقد علم بالاتفاق أن داود عبد الله عز وجل، وإن كانت روح القدس فيه، وكذلك المسيح عبد الله وإن كانت روح القدس فيه، فما ذكرتموه عن الأنبياء، حجة عليكم لأهل الإسلام، لا حجة لكم)) (257) .

ويدل أيضاً على عدم خصوصية الروح القدس بالمسيح عليه السلام ولا بغيره، أن النصارى يقرون أن الروح القدس ناطق في الأنبياء، إذ قالوا في قانون إيمانهم المقدس: ((الناطق في الأنبياء)) (258) ، ويسمى في زعمهم حياة الله، وإذا كان كذلك فهذا باطل، إذ يقول ابن تيمية رحمه الله: ((وحياة الله صفة قائمة به لا تحل في غيره، وروح القدس الذي تكون في الأنبياء والصالحين ليس هو حياة الله القائمة به، ولو كان روح القدس الذي في الأنبياء هو أحد الأقانيم الثلاثة لكان كل من الأنبياء إلهاً معبوداً قد اتحد ناسوته باللاهوت كالمسيح عندكم، فإن المسيح لما اتحد به أحد الأقانيم صار ناسوتاً ولاهوتاً، فإذا كان روح القدس الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة ناطقاً في الأنبياء كان كل منهم فيه لاهوت وناسوت كالمسيح، وأنتم لا تقرون بالحلول والاتحاد إلا للمسيح وحده مع إثباتكم لغيره ما ثبت له)) (259) ، وقال رحمه الله في موضع آخر: ((وهم إما أن يسلموا أن روح القدس في حق غيره ليس المراد بها حياة الله، فإذا ثبت أن لها معنى غير الحياة، فلو استعمل في حياة الله أيضاً لم يتعين أن يراد بها ذلك في حق المسيح، فكيف ولم يستعمل في حياة الله في حق المسيح، وأما أن يدعوا أن المراد بها حياة الله في حق الأنبياء والحواريين، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يكون اللاهوت حالاً في جميع الأنبياء والحواريين، وحينئذٍ فلا فرق بين هؤلاء وبين المسيح)) (260) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٤١