تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أن هذه النصوص قد وصفت الروح بالنزول مثل حمامة، ومن المعلوم أن الروح القدس في عقيدة النصارى، هو الأقنوم الإلهي الثالث، في الثالوث المقدس، فالعجب كيف يرضى النصارى أن يكون الروح النازل بهذه الصفة إلهاً يستحق العبادة مع الله؟ وكيف يكون إلههم ومعبودهم جسماً بهذه الصفة من الطيور المخلوفة؟ إن هذا الاعتقاد لاشك أنه مسبة لمقام الألوهية، إذ لم يعرفوا الله حق المعرفة، ولو عرفوا الله لما أشركوا معه آلهة أخرى، فالله وحده هو المعبود بحق، لا إله غيره ولا رب سواه، وعيسى عبد الله ورسله، والروح القدس هو ملاك الله جبريل عليه السلام المبلغ وحيه إلى أنبيائه ورسله، والواجب عليهم الاعتقاد أن هذا الروح النازل مثل حمامة على المسيح عليه السلام هو ملاك الله جبريل أمين وحي الله إلى المسيح وإلى جميع الأنبياء عليهم السلام، ويدل على ذلك إضافة إلى ما سبق الاشارة إليه من مصادرهم أن من يسمونه بولس الرسول أخبر أن: ((جبرائيل روح الله الحي)) (177) .

ج أن في قول نبي الله يحيى بن زكريا في إنجيل متى: ((أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي من بعدى هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس ونار)) (178) ، وقوله أيضاً في إنجيل لوقا: ((أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار)) (179) ، فهذه النصوص تدل على أن التعميد لم يكن باسم الثالوث المقدس كما يعتقد النصارى بل هو بروح القدس فقط، وهذا هو الذي اتفقت عليه نصوصهم المقدسة، أن يحيى عليه السلام شهد وبلغ بني إسرائيل بأن المسيح سيعمدهم بروح القدس، وهذا يدل على بطلان اعتقاد النصارى أن المسيح أمر تلاميذه على زعمهم أن يعمدوا الناس باسم الثالوث المقدس حين قال: ((فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس)) (180) ، علماً أنه لم يرد عن المسيح عليه السلام في الأناجيل والرسائل أنه عمد أحداً من أتباعه باسم الروح القدس، أو بأي واحد من الأقانيم الثلاثة، ولو كان هذا هو الاعتقاد الحق لأمر أتباعه بذلك، بل لقد صرح أن الروح القدس الذي يعلمهم كل شيء لم يأت بعد؛ لأنه سيأتي في وقت لاحق، إذ قال عليه السلام: ((وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم)) (181) ، وقال عليه السلام: ((وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به)) (182) ، وقوله أيضاً: ((ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي)) (183) ، فكيف يكون الروح القدس إلهاً ثالثاً وهو لم يأت بعد؟ وكيف يتعمدون باسم الثالوث المقدس وهم ليسوا على يقين هل جاء كما أخبر المسيح، أم أنه ما زال منتظراً، وأي حاجة لهم بانتظار من يأتي من بعده، وهم قد غفرت ذنوبهم بموت المسيح على

الصليب كما يعتقدون يقول المهتدي عبد الأحد داود (184) : ((إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو مجئ معزٍّ، ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معزٍّ كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب، تتهافت وتصبح باطلة ... إن فكرة وسيط بين الله والناس هي أكثر استحالة حتى من فكرة المعزي، إذ لا يوجد وسيط بين الخالق والمخلوق، ووسيطنا أو شفيعنا المطلق هو وحدانية الله فقط، إن المسيح كان ينصح بالصلاة إلى الله سراً والدخول في مقصوراتهم وإقفال الأبواب عليهم عند أداء الصلاة لأنه تحت هذه الظروف فقط يستمع ((أبوهم الذي في السماء)) لصلواتهم ويمنحهم بركته وغوثه فإن المسيح لم يستطع أن يعدهم بوسيط أو شفيع، فكيف نستطيع التوفيق بين هذه المتناقضات)) (185) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٣٤