ب أن ملاك الله جبريل عليه السلام، بشر مريم بميلاد المسيح عليه السلام إذ جاء في الإنجيل: ((وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم ... فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله، وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً، وتسمينه يسوع ... فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً، فأجاب
الملاك، وقال لها: الروح القدس يحل عليك)) (163) ، وفي الإنجيل أيضاً: ((أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا، لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس، فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً، ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع)) (164) .
والمراد من الروح القدس الذي حل على مريم في هذين النصين، أحد أمرين: إما أن يكون المراد به جبريل عليه السلام، وهذا يتفق مع ما ذكره الله عز وجل عن مريم في قوله: ((فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً)) (165) ، والروح كما قال المفسرون: هو جبريل عليه السلام (166) .
أو أن يكون المراد به الروح التي هي من الله، وهذا يتفق مع قوله تعالى: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) (167) ، ومعنى ((وروح منه)) أي: أن الله أرسل جبريل فنفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى، وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله: أي: من خلقه، كما يقال في النعمة أنها من الله، وقيل ((روح منه)) أي: من خلقه، كما قال تعالى: ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)) (168) ، أي: من خلقه، وقيل: ((روح منه)) أي: رحمة منه، وقيل: ((روح منه)) أي: برهان منه، وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه، وقوله: (منه) متعلق بمحذوف وقع صفة للروح، أي: كائنة منه، وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ) (169) ، ومثله قوله تعالى: ((والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)) (170) ، وقوله تعالى: ((ومريم ابنت عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)) (171) .
ت وفي الإنجيل أيضاً أن مريم حينما زارت إليصابات أم يحيى عليه السلام وسلمت عليها: ((فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس)) (172) ، وفي الإنجيل أيضًا:
((وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس، وتنبأ قائلاً، مبارك الرب إله إسرائيل)) (173) ، وفي الإنجيل أيضاً: ((وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه، وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب)) (174) ، فهذه النصوص تدل: إما على أن الروح القدس هو جبريل عليه السلام، أو أنه البرهان الذي يؤيد الله به أولياءه من عباده المؤمنين.
ث أن نصوص أناجيلهم ذكرت أن المسيح عليه السلام بعد أن تعمد على يد يحيى عليه السلام: ((وإذا السموات قد انفتحت له فرأي روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه)) (175) ، وأن يحيى شهد أن العلامة التي يعرف بها المسيح، أن يرى أن روح القدس نازلاً ومستقراً عليه: ((قائلاً إني قد رأيت الروح القدس نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقرت عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس)) (176) ، ونزول الروح القدس من السماء يدل على أنه ملك من الملائكة، حيث دلت النصوص أن هذا النازل من السماء هو ملاك الله جبريل عليه السلام.