أما نحن المسلمين فإننا على يقين أن بشارات المسيح بالمعزي الروح القدس الآتي، هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك بعض المهتدين من النصارى (186) ، وغيرهم من الباحثين المسلمين (187) .
ح إن الروح القدس كان معروفاً في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين، وليس له مراد يخالف ظاهر ما دلت عليه نصوص الكتب الإلهية التي ورد الاستشهاد بعدة نصوص منها، يؤكد ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: ((وأما روح القدس: فهي لفظة موجودة في غير موضع من الكتب التي عندهم، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم، بل روح القدس عندهم تحل في إبراهيم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء والصالحين، والقرآن قد شهد أن الله أيد المسيح بروح القدس، كما قال الله تعالى: ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)) (188) ، في موضعين من البقرة (189) ، وقال تعالى: ((يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس)) (190) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: ((إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه)) (191) ، وقال: ((اللهم أيده بروح القدس)) (192) ... وروح القدس قد يراد بها الملك المقدس كجبريل، ويراد بها الوحي، والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته، وقد يكونان متلازمين فإن الملك ينزل بالوحي، والوحي ينزل به الملك، والله يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى.. قال تعالى: ((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق)) (193) ، وقال تعالى: ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)) (194) ... وإذا كان روح القدس معروفاً في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين أنها أمر ينزله الله على أنبيائه وصالحي عباده سواء كان ملائكة تنزل بالوحي والنصر، أو وحياً وتأييداً مع الملك وبدون الملك، وليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به، كما قال (المسيح) : ((عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس)) (195) ، ومراده مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمراً لهم بالإيمان
بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، فتفسير كلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم ويوافق القرآن والعقل أولى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف، ولا هو من التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيح وخطاب سائر الأنبياء)) (196) .
خ أن ما جاء في رسائل بولس من عبارات تنسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته، وبالأخص قوله:
((نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم، آمين)) (197) ، هذه العبارات هي التي حملت النصارى على الاعتقاد بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، وهي التي فتحت الباب إلى القول بالتثليث، ومع ذلك فإن استدلالهم بهذه العبارات باطل ومردود، للأدلة الآتية:
1 أنه ليس فيها مايدل على أن لفظ الروح القدس معناه الإله، وليس فيها مايدل على مايمكن أن ينسب إليه من أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته، وأنه على زعمهم الأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس، بل الحق أنها تدل على معنى القوة والثبات التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص العهد القديم والعهد الجديد، فلفظ الروح القدس لاتخرج عن هذا المعنى الذي سبق بيانه في الفقرات السابقة، ولاعن المعاني التي سبق بيانها عند الحديث عن حقيقة الروح القدس في المبحث الأول.