تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أخبر المسيح عليه السلام تلاميذه ورسله، بأن الروح القدس سيلهمهم ويؤيدهم، فقال: ((ولكن احذروا من الناس، لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وفي مجامعهم يجلدونكم وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي، شهادة لهم وللأمم، فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم)) (40) ، وقال عليه السلام: ((ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أوبما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة مايجب أن تقولوه)) (41) .

وعند سؤال اليهود للمسيح عليه السلام عن الملاك الذي يؤيده الله به، أخبرهم أنه الروح القدس، فردوا على المسيح رداً قبيحاً، وزعموا أنه روح نجس، ومرة أخرى زعموا أن الروح القدس ((بلعزبول)) يعني رئيس الشياطين، ففي الإنجيل: ((أما الفريسيون فلما سمعوا (أي عن شفاء المسيح للمجنون) قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببلعزبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع أفكارهم، وقال لهم ... إن كنت أنا ببلعزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون، لذلك هم يكونون قضاتكم، ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشيطان فقد أقبل عليكم ملكوت الله)) (42) .

ثم حذرهم عليه السلام من القول على الروح القدس إنه روح نجس، فقال: ((لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس، ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي)) (34) . وقال أيضاً: ((الحق أقول لكم إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها، ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية، لأنهم قالوا إن معه روحاً نجساً)) (44) .

كما أن يوحنا المعمدان أخبر اليهود أن الذي سيأتي من بعده يعمد بالروح القدس، فقال: ((والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، لذلك لست أهلاً أن أحل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ)) (45) .

وهذا الخبر يحمل بشارة، ويظهر أنها دلالة على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ ورد الكثير من البشارات به في التوراة والإنجيل (46) ، ولكن النصارى لما جعلوا المسيح عليه السلام محوراً لكل الأحداث، قالوا إن يوحنا يتكلم هنا عن المسيح، علماً بأن المسيح كان معاصراً ليوحنا ولم يأت بعده، وكان بنفس السن بفارق ستة أشهر في الميلاد، بدليل أن المسيح تعمد بالماء على يد يوحنا، كما ورد في النصوص السابقة من أناجيل متى ولوقا ومرقس.

كما أن (يوحنا) يحيى عليه السلام عرف العلامة على المسيح من نزول الروح القدس عليه مثل حمامة، إذ قال: ((إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس)) (47) ، وهذا يدل على أنه أمين الوحي جبريل عليه السلام بدليل قوله: ((فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه، وصوت من السموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت)) (48) ، وهذا الصوت من السموات هو الوحي الذي جاء به جبريل، وهو قوله: ((هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت)) ، والبنوة في هذا النص وفي غيره من النصوص الإنجيلية لا يقصد بها البنوة التناسلية، وإنما يقصد بها حنان الله ورعايته له وقربه من الله، بدليل أن الأناجيل تطلق على تلاميذ المسيح وكل الناس المؤمنين بالله بأنهم أبناء الله (49) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٢٠